فهرس الكتاب
... يكثر المذيعون من استعمال العامية وكذلك المنشطون في خطاباتهم. ونستثني من ذلك في الغالب نشرات الأخبار. يكثر ذلك بصفة خاصة في الحصص التي موضوعها الترفيه أو التسلية. وقد طغت أيضًا العامية على الفصحى في كل حصة يكون موضوعها تبادل الآراء أو الخبرة على شكل"استجواب"أو مجرد إجراء حديث. ويتعجب أكثر الناس من طغيان العامية في هذه الحصص الأخيرة إذ قد يكون مستواها عاليًا. وكل هذه الظواهر هي، في الحقيقة، جدّ طبيعية؛ لأن المنطوق المتبادل بين اثنين على الأقل يقتضي أن يلجأ إلى جانب من الاستعمال اللغوي يتّصف بالخفّة والاقتصاد أي بشيء كبير من العفوية؛ ولا سبيل إلى العثور عليه في العربية التي يتعلمها الناس في المدرسة (1) . ويجهل الكثير من الناس أن للعربية الفصحى مستوًى عفويًّا مثل جميع اللغات الحية وأن العرب السليقيين كانوا يتخاطبون في حاجاتهم اليومية مثل ما يتخاطب الفرنسيون والإنجليز أي بلفظ سهل لا تكلف في تأديته. وهي
اللغة التي وصفها القدامى الذين استمعوا إليهم ودوّنوا كلامهم. وقرئ به القرآن، وذلك مثل ما روي عن أبي عمرو بن العلاء من اختلاس للحركات والاختزال والحذف والإدغام.
... أما في زماننا - ومنذ أقدم العصور- فقد صارت العربية تكتسب بالتلقين. والتلقين من عادته أن يهمل الخفيف من الأداء؛ لأن صاحبه يريد أن تعطى عناصر اللغة حقّها أي أن تحقق مخارج الحروف وأن تبيّن (إلى حد المبالغة أحيانًا) حركات الإعراب التي قد سقطت من العامية فابتعدت الفصحى في مستواها التخاطبي عن الأداء العفوي، إذ حافظت العامية على الخفة لأنها لغة تخاطب فقط (2) على الرغم من وجود قراءة قرآنية بهذا النوع من الأداء الخفيف؛ وذلك لاندثار درس القراءات في التعليم (ووجودها عند الاختصاصيين فقط وهم قلة) .