فهرس الكتاب
... وصارت الفصحى مبتورة من مستواها العفوي، ولا يمكن أن نقول إنها كانت على هذه الحال التي نعرفها اليوم فقط حتى في زمان السليقية إذ كانت اللهجات العربية هي لغة التخاطب. والحق أن ما كان يسمى بلغات العرب- وهي كيفيات في تأديتهم لعنصر واحد من عناصر اللغة - كانت توجد بالفعل في صميم الفصحى وكانت جزءًا منها، فالكثير من القراءات القرآنية كانت لغات، ويوجد في الشعر الفصيح الكثير من اللغات أي الكثير من التنوع في تأدية وحدة لغوية معينة (*) . وكان للعربية الفصحى التي نزل بها القرآن هذا المستوى العفوي وإلا فكيف نفسّر هذه الكثرة الكاثرة من أمثلة الاختزال والاختلاس والحذف - في الأداء والتراكيب - التي ذكرها سيبويه في كتابه ولم تنسب في أكثرها
إلى إقليم أو قبيلة؟ إنما الذي ينسب إلى القبائل هو غالبًا أداء مختلف عن الأكثر أو مساو له ولا يتصف غالبًا بالاختزال والتخفيف .
فالذي منع الناس والمنشطين في الإعلام من تجنب الفصحى الملقنة بالمدرسة هو عدم توفر الفصحى التي تعلموها على ما تتصف في لغة التخاطب العادي من الخفة في الأداء ومن الصيغ والتراكيب المأنوسة فيلجؤون إلى العامية، أو يخلطون بينها وبين الفصحى، ويميلون أحيانًا كثيرة وبكيفية عفوية إلى الاختلاس والاختزال كما كان ذلك موجودًا في الفصحى العفوية. فكأن التجاءهم إلى العامية أو هذا المزيج يريحهم من تكلف اللغة غير العفوية، وهو أمر طبيعي،ولكن الذي ليس بطبيعي هو أن يجهل أو يتجاهل أهل الاختصاص هذه
الحقائق، وأخطر من هذا أن يعتقد أن العامية - أي اللغة الملحونة- لامناص منها لاتصافها بالخفة وأنها اللغة الوحيدة التي يتخاطب بها الناس في حاجاتهم اليومية فيأتي بعض العلماء فيبرّر ذلك بقول المستشرقين أن الفصحى"لم تكن في يوم من الأيام إلا لغة أدبية مشتركة". وهذا كله مغاير للحقيقة وبالتالي ظلم للعربية .
اقتراحات لاستثمار الإعلام المنطوق: