فهرس الكتاب

الصفحة 3046 من 4462

لقد كانت حضارتنا الإسلامية حضارة منفتحة تثاقفت مع الحضارات الأخرى وتأثرت بها وأثرت فيها، لكن دون أن تفقد مقوماتها الأساسية أو ملامحها الخاصة. كانت حضارة واثقة من نفسها حتى في أوقات الهزيمة والانكسار، لم يتضعضع بنيانها ولم تهتز أركانها بدخول الفرس أو الترك أو التتار أو غيرهم في مجرى نهرها، وإنما احتضنتهم وحولتهم جميعًا إلى لبنات نافعة في صرحها العظيم.

هذه التجربة التي خاضتها الثقافة العربية عبر عصور الضعف السياسي والسيطرة الأجنبية ما أحرانا الآن أن نوجه إليها أنظار الدارسين، وأن نفيد من معطياتها التي مكنت هذه الأمة بثقافتها العربية من الحفاظ على الكيان دون الذوبان في خضم الأمم الأخرى.

إننا أمة لها تجارب في التثاقف مع الآخرين، وأزعم أنها تجارب ناجحة بالقدر الذي أفاد أسلافنا، ونحن الآن عندما نتثاقف مع الآخرين فإننا لا ندخل إلى هذا المجال من الأبواب الخلفية، وإنما ندخل إليه مزودين بتجارب عظيمة وغنية، ما أحوجنا إلى أن نتأملها ونرصد ما فيها من جوانب مشرقة نستضيء بها في هذا العصر.

ثم إن تجارب أمتنا - على ما فيها من غنى وثراء - لا تغني عن استقراء ما لدى الأمم الأخرى ذوات الحضارات المختلفة التي تثاقفت مع الآخر من منطلق الندية لا منطلق التبعية، وخطت لثقافاتها المحلية خطوطًا سوية أفادت فيها من الوافد بالقدر الذي لا يغير النسيج الثقافي أو يبدل الوجه الأصيل. بل إنني أكاد أجزم أن للتثاقف بين الأمم قوانين ونواميس تشبه إلى حد كبير النواميس الطبيعية المنضبطة، تؤثر في هذه الأمم سلبًا أو إيجابًا.

ولاشك أن في تجارب الأمم المعاصرة التي تنتمي إلى حضارات راسخة في القدم، وقد تماست مع الغرب، دروسًا لمن ألقى السمع وهو شهيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت