فهرس الكتاب

الصفحة 3048 من 4462

تحاول هذه الورقة أن تحدد علاقتنا باللغة الأجنبية بوصفها نافذة نطل منها على الآخر، إذ لا أحد يشك في أن لغة الثقافة الأجنبية من أهم أدوات التثاقف إن لم تكن أهمها، ومما لاشك فيه أيضًا أن الأقدار في هذا العصر قد وضعت اللغة الإنجليزية في مقدمة اللغات التي لا غنى عنها في مختلف المجالات المهمة في الحياة، فقد غدت لغة العلم والطب والاختراعات والسياحة والاقتصاد، وأصبحت إجادتها لا غنى عنها لكل من أراد أن يطلع على الجديد من هذه المجالات في مصدره الأصلي، وهذا ما جعل معظم الناس في البلاد العربية يحرصون على التمسك بأذيالها والجري وراء سرابها ظنًّا منهم أن تعلم اللغة وحده سوف ينقل الأمة إلى فراديس الحضارة ونعم التقدم.

إننا هنا لا نهون من شأن اللغة الأجنبية، ولا ندعو إلى مقاطعتها أو ازدرائها، ولا نشكك في أهميتها وفائدة معرفتها، وإنما ننظر إليها بوصفها أداة نافعة ومهمة، نطمع في أن نحقق من تعلمها وتعليمها واستعمالها ما لم نوفق في الحصول عليه طيلة الزمن الماضي.

عندما بدأت علاقتنا بالحضارة الغربية الحديثة كان من علامات النضج الوطني والحضاري أن تنشأ مدرسة الألسن وأن تكثف البعثات العلمية إلى أوربا. تم ذلك وفق رؤية واعية وتخطيط سليم، إذ كان من نتيجته ازدهار الترجمة وتعليم العلوم والطب باللغة العربية، وكان المتوقع أن ينتهي ذلك بنا إلى ما انتهى به عند الأمم الأخرى من توطين العلوم والتقنية في بلادنا العربية، واستغلال مواردنا الاستغلال الأمثل، والمشاركة الجادة مع دول العالم الناهضة. لكن الأمور لم يرد لها أن تسير في هذا الاتجاه الذي يهدف إلى تقوية هذه الأمة وإعطائها فرص التقدم والنماء. وكان الاستعمار بالمرصاد لكل إنجازاتنا وآمالنا فحوَّلها جميعًا إلى ركام من الهشيم وأشعل فيها النيران، ثم أجهز علينا بوضع ورم سرطاني خبيث ينهش في جسدنا العربي، ويكلفنا الكثير من وسائل الوقاية والعلاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت