فهرس الكتاب

الصفحة 3050 من 4462

وهكذا انحرفت المسيرة في الإفادة من الاحتكاك بالأجنبي فأصبح مفكرونا ومثقفونا أصداء وأبواقًا لكل ما يصدر عن الغرب، خيرًا كان أو شرًّا، وأخذ أدباؤنا ونقادنا يستوردون النظريات النقدية الغربية التي سادت ثم بادت في أوربا ويطبقونها، لا على أدبنا الحديث وحسب، وإنما على الأدب الجاهلي والإسلامي القديم، وأخذ بعض ضعاف شعرائنا - تحت شعار الحداثة - يرصدون كلمات باهتة باردة ثم يزجون بها للمطبعة مع وسمها بكلمة"شعر"على الديوان المزعوم لثقتهم بأن الناس لن تتقبل هذا الكلام الغث إلا على أنه من رديء النثر. ولم يقتصر الانحراف على الأدب والفنون حتى ابتعد المثقفون عن ذائقة العربي واضطروه إلى صياغة فنون أخرى من الأدب الشعبي لتلبي احتياجاته، وإنما امتد الانحراف إلى أمور أخرى كالاقتصاد الذي انتهى بنا إلى تحويل تجارنا ورجال الأعمال لدينا إلى سماسرة يستوردون البضاعة الأجنبية ويسوقونها في بلدانهم، جانين بذلك على الصناعة الوطنية، أو سادين الطريق إلى نشوئها واكتمالها، والدخول إلى العالم بها، في هذا العصر الذي يكون الاقتصاد عصب الحياة فيه، أو مبشرين ببيع مؤسسات الخدمات العامة في الدولة إلى القطاع الخاص عن طريق التخصيص بزعم عجز الدولة عن القيام بهذه الخدمات، ونحو ذلك من أفكار تسوق في الوقت الحاضر لعودة الأجنبي من النافذة للتحكم في مقدرات هذه البلدان النامية، وجعلها نهبًا للشركات الأجنبية.

وفي هذا المجال (مجال الاقتصاد) أخفقت اللغة الأجنبية في أن تدخلنا عصر التقدم لا لأن الوسط الاقتصادي لا يعترف بها، فهي مستعملة في كل جوانبه وتعد إجادتها شرطًا من شروط العمل في التجارة والصناعة،وما أكثر من يجيدونها،لكن توظيفها لم يتم بالصورة الصحيحة وإنما انحرف تبعًا لانحراف مجرى الاقتصاد والقائمين عليه والمشتغلين في مجاله. وبهذا أخفقت اللغة الأجنبية في أن تدخلنا القرن العشرين فضلا عن القرن الحادي والعشرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت