فهرس الكتاب

الصفحة 3052 من 4462

إن ما قمنا به حتى الآن لا يعدو أن يكون توظيفًا للغة لتكون أداة من أدوات العلاقات العامة، التي نتخاطب بها مع الأجانب في التجارة والسياحة والبحوث العلمية، لكننا لم نستفد من هذه اللغة لنقل التجارب الحديثة في شتى المجالات إلى مواطنينا بلغتهم الأم، كي يتوطن العلم وتستنبت التقنية.وإنما اكتفينا -في هذا الوضع- بجعل هذه اللغة وسيلة للتفاهم بين أصحاب التخصص الواحد، وهؤلاء استسهلوا الكتابة بها، فأخذوا ينشرون بها بحوثهم ويديرون بها ندواتهم ومؤتمراتهم، ويتخاطبون بها فيما بينهم، وكان من نتيجة ذلك أن أخذت معظم البحوث العلمية التي يجريها العلماء العرب تصب في مجرى الفكر الغربي، وتدور في ترس الصناعة الغربية، فلا يكاد يفيد منها الوطن العربي إلا عن طريق الاستيراد والاستهلاك. وأصبحت اللغة الأجنبية - إلى جانب عوامل أخرى - من العوامل التي تؤدي بالعالم أو المفكر إلى الهجرة والانسلاخ من الوطن لأن الانتماء اللغوي عامل مهم من عوامل الاستقرار العلمي والانتماء الثقافي.

ومع الإخفاق الشديد الذي منيت به تجربتنا مع اللغة الأجنبية كي تكسبنا مكانًا مرموقًا تحت الشمس، فإن كثيرًا من المنظرين والتربويين يرون أن شفاءنا من هذه العلة يكمن في زيادة الاتصال العشوائي بهذه اللغة دون نظر إلى الاحتياجات الحقيقية التي تلزمنا للنهوض من كبوتنا. فتتعالى الأصوات في بلادنا العربية لتدريس اللغة الأجنبية في المدارس الابتدائية منذ السنوات الأولى للطفل العربي وقد بدأت المدارس الخاصة بذلك في كثير من هذه البلدان، ثم تبعتها المدارس الرسمية، وفي بعض البلدان العربية لم يقف الأمر عند هذا الحد وإنما تطور لتعليم جميع المواد بلغة أجنبية ما عدا مواد اللغة العربية والدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت