فهرس الكتاب
والأمر الآخر الذي يحسن التنبه له أن للغة طريقتين للأخذ: طريقة الاكتساب وطريقة التعلم.
أما الطريقة الأولى فتكون بأخذ اللغة في سن مبكرة لا تتعدى العام الثاني عشر من عمر الطفل، وهي مرحلة أخذ اللغة سليقة، لكن الشرط الضروري لنجاح اكتساب اللغة أن يكون التعليم في بيئة اللغة الهدف. أي أن يكون الطالب منغمسًا لغويًّا وثقافيًّا في وسط هذه اللغة. وهذا ما لا يتحقق للطالب العربي في بيئته العربية.
ولهذا فإن الوسيلة الوحيدة العملية لأخذ اللغة الأجنبية بالنسبة لأطفالنا هي اتباع الطريقة الثانية طريقة التعلم، وهي تبدأ في المرحلة المتوسطة. أما المرحلة الابتدائية فأحرى بها أن تُمَحّض لاكتساب اللغة الأم وإجادتها سليقيًّا، وهنالك تجارب عربية مشجعة في هذا المجال. والواقع يشهد بأن معظم مشاهير علمائنا ومثقفينا قد تعلموا اللغة الأجنبية في مراحل متأخرة من أعمارهم، ومع ذلك لم يؤثر ذلك على عطاءاتهم العلمية والثقافية، ولم يقلل من مقدار استفادتهم من معطيات الثقافة الغربية وعلومها.
لم تكن البلبلة في الاقتراب من اللغة الأجنبية مقصورة على التعليم في المراحل الابتدائية أو الأولى من التعليم وإنما استمر الإخفاق في التعامل مع هذه اللغة في التعليم العالي، وإذا عددنا الجامعة المصرية التي أنشئت عام 1908م ممثلة لبدء التعليم الجامعي الحديث في البلاد العربية نكون قد أوشكنا أن نسلخ مئة عام من تاريخ التعليم العالي في البلاد العربية قضيناه في تعليم العلوم العصرية باللغة الأجنبية، ومع طول الزمن الذي استغرقته هذه التجربة إلا أن المخططين وأصحاب القرار لدينا لم يدركوا حتى الآن انعدام الجدوى الحقيقية في تعليم العلوم والطب وغير ذلك من العلوم باللغة الأجنبية.