فهرس الكتاب
لقد سيطرت على مؤسسات هذا التعليم فئات لم تستشعر البعد الاستراتيجي المهم لإمكانات التعليم باللغة الأم، كحسن الإفادة من المعطيات العلمية، وسهولة هضمها من قبل الطلاب، إلى جانب توطين العلم في البيئة العربية بنشره بين الجميع عن طريق التأليف والترجمة، فقُضِي على حركات التعريب وانصرف الأساتذة عن لغتهم الأم، وأخذوا يحاضرون ويكتبون بلغات أجنبية (ركيكة في الغالب) ، وكان من نتائج ذلك تدهور في مستوى الخريجين، وتراجع في الإبداع والابتكار، وتكريس للتبعية، وتعثر في السيطرة على مقاليد العلم المعاصر، وتخلف عن الركب نشاهده الآن واضحًا مقارنًا بأمم أخرى، ليست لديها العراقة الحضارية ولا الإمكانات المادية أو البشرية التي تملكها أمتنا، ولكنها أدركت أهمية التعليم الجامعي باللغة الأم، فسبقتنا بمسافات كبيرة وحجزت لها مكانًا متقدمًا بين الأمم.
وإذا أخذنا حركة الترجمة في
البلاد العربية وجدنا أنها تسير بخطى متثاقلة وهي - في الغالب - مشتتة وفردية، وخاضعة لأمزجة المترجمين والناشرين، وهذا يعني أن الترجمة لدينا عشوائية، ليست موظفة لبلوغ أهداف حيوية كبرى، والمعروف المشهود - في الثقافات القديمة والمعاصرة - أن الترجمة عمل مؤسسي يخدم استراتيجية وطنية أو قومية كبرى تستهدف النهوض والتقدم. وهذا - للأسف - ما أخفق العرب في تحقيقه.
ومن أكبر الدلائل على إخفاق التثاقف بيننا وبين الغرب أننا في الأحداث الأخيرة حينما اشتدت الهجمات الإعلامية الشرسة على ديننا وجنسنا وثقافتنا لم يجد الباحثون عن الحقائق عنا إلا ما كتبه أعداؤنا، وما بثته وسائل إعلام العدو عنا، من صحافة وتلفاز وأشرطة سينمائية، صنعت خِصِّيصًا لتشويه صورتنا لدى الآخرين. أو ما خلفته عنا دراسات قديمة منحازة، اعتمدت على صور نمطية للعربي، مستمدة غالبًا من تراث"ألف ليلة وليلة"وغيره من أدب السمر والحكايات الخيالية.