فهرس الكتاب

الصفحة 3056 من 4462

إن الواقع يثبت أن تعاطينا مع اللغة الأجنبية تعليمًا واستعمالا لم يصل بنا إلى الهدف المرجو من النهضة، وأن تأثير هذه اللغة لم يكن بالقدر الذي بذلناه من أجلها واستثمرناه فيها من الجهد والوقت والمال،وعندي أن السبب في ذلك أننا لم نختط لأنفسنا - سواء على مستوى الأمة أو الدولة- طريقًا سوية تجعلنا نفيد من الاحتكاك اللغوي بالآخر. وإنما قضينا الوقت كله في استعمال اللغة الأجنبية لتلبية احتياجاتنا الآنية والاستهلاكية ثقافيًّا واجتماعيًّا.

لم يكتب لهذه الأمة أن تخلص لمشروع نهضوي عربي تكون اللغة الأجنبية فيه مفتاحًا للتقدم، ووسيلة لنشر الصورة الصحيحة عنا، ولا أظن أن ذلك سيكون ما لم نتخذ من الوسائل ما اتخذته الأمم الأخرى الناهضة، وأول هذه الوسائل - ولعله أهمها - استشعار الثقة بلغتنا وثقافتنا، ثم العمل انطلاقًا من هذا المبدأ إلى توظيف اللغة الأجنبية لتكون جسرًا يربط بين الثقافتين العربية والأجنبية عن طريق الإصرار على نقل العلوم ومعارف العصر إلى اللغة العربية، وإيجاد المراكز العلمية المتخصصة في الترجمة لمختلف العلوم والفنون، وتوجيه هذه العلوم والمعارف لخدمة النهضة بوجوهها المختلفة، وتعميق معرفة الآخر بنا عن طريق نقل الثقافة العربية بأبعادها المتعددة إلى اللغات الأجنبية، ورعاية المترجمين الأكْفاء، واستقطاب المترجمين الأجانب وتشجيعهم على المزيد من الترجمة عن اللغة العربية، وفق خطط مرسومة، تراعي الأولويات فيما يترجم من فكر الآخر، وما ننقله من فكرنا إليه، حسب إمكانات كل بلد، وما يتميز به من ثروات بشرية ومادية، وصياغة ذلك كله في مشروع تكاملي ينتظم البلاد العربية جميعًا. عندئذ نستطيع القول إننا وضعنا اللغة العربية في موقعها

الصحيح من حركة التثاقف الحضاري بيننا وبين الغرب.

أحمد بن محمد الضبيب

عضو المجمع المراسل من السعودية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت