فهرس الكتاب
ومنذ مستهلِّ القرن الثالث الهجري انصرفت طائفة من النقاد إلى (تقنين) نهج القصيدة العربية ووضع أصولها، وأول محاولة لهذا التقنين تمت على يد ابن قتيبة الدينوري (213 - 276هـ) في مقدمة كتابه"الشعر والشعراء"، وهو ينسب كلامه على نظام القصيدة إلى بعض أهل العلم، فذكر ابتداء القصيدة بذكر الديار والربع والآثار وارتحال الظاعنين عنها ثم وصله الوقوف على الأطلال بالنسيب وانتقاله إلى وصف رحلته ثم إلى غرضه من القصيدة وهو المديح، ثم قال:"فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب وعدّل بين هذه الأقسام". فهو إذن قيد شعراء المديح بنهج القصيدة الموروث عن القدماء. ثم قال:"وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر أو يبكي عند مُشيَّد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الدائر والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح...".
لقد جمّد ابن قتيبة شكل قصيدة المديح وحبسها في قوالبها القديمة ولم يبح للشعراء المحدثين أن يخرجوا عن هذه القوالب الشكلية وعن محتوى أقسام القصيدة.
وقد سبق ابن قتيبة ناقد نافذ البصيرة هو محمد بن سلام الجمحي (139 - 231هـ) فقدم لكتابه"طبقات فحول الشعراء"بمقدمة طويلة أبرز فيها ظاهرة انتحال الشعر، ولكنه لم يعرض لنظام القصيدة العربية، وإنما اكتفى بالحديث عن صناعة الشعر فقال:"للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات، منها ما تثقفه العين ومنها ما تثقفه الأذن ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان".