فهرس الكتاب
ثم يأتي ناقد آخر كان متأثرًا بالمنطق اليوناني وهو قدامة بن جعفر (275 - 337هـ) ، فيضع في كتابه"نقد الشعر"تعريفه المشهور بأنه:"قول موزون مقفى يدل على معنى"، ويجعل للشعر عناصر أربعة هي: اللفظ والوزن والقافية والمعنى، وهذا التعميم في حد الشعر من شأنه أن يدخل في الشعر كل كلام موزون مقفى وإن لم يكن ينطوي على مقومات الشعر الحقيقية.
وقد عاصر قدامة بن جعفر شاعر وناقد بصير بمذاهب الشعر هو أبو الحسن أحمد بن محمد المعروف بابن طباطبا (ت322هـ) فوضع كتابه الموسوم بـ"عيار الشعر"، الذي عرض فيه نظراته الصائبة في مقومات الشعر الشكلية والمعنوية خلافًا لقدامة بن جعفر الذي وضع للشعر قالبًا شكليًّا لا يمت إلى حقيقة الشعر بصلة.
جعل ابن طباطبا للشعر أدوات ينبغي توافرها في الشاعر قبل إقدامه على قول الشعر، وجعل الشعر صناعة، على الشاعر أن يستوعبها ويهيئ أدواتها، وجعل عيار الشعر"أن يعرض على الفهم الثاقب، فما قبله واصطفاه فهو وافٍ وما مجه ونفاه فهو ناقص"، وبذلك جعل تقويم الشعر وقفًا على الفهم والنظرة الثاقبة، وهذه النظرة المعيارية تختلف من ناقد إلى آخر، وتتوقف على التذوق للشعر، وضمَّن كتابه نصائح ونظرات يستهدي بها من أراد ولوج باب الشعر، وهذه النظرات النافذة تنبئ بما أوتيه ابن طباطبا من صحة الطبع الشعري وملكة التذوق المرهفة. على أنه لم يعرض لشكل القصيدة ونهجها.