فهرس الكتاب
وحتى ذلك العهد ظلّ الشعر العربي وفيًّا للشكل التراثي الخليلي، فكان شعرًا موزونًا مقفى يتألف من أبيات وكل بيت يتألف من شطرين، وينتهي الشطر الثاني بقافية تتكرر في جميع أبيات القصيدة، ولم يطرأ على هذا الشكل تغيير ذو بال إلا ما وجدناه من ظهور شكل الموشح الأندلسي وأشكال أخرى في العصر العباسي، ولم يقدر لهذه الأشكال الجديدة الاستمرار بل سرعان ما توارت، وظل الشعراء يقولون شعرهم على النهج الخليلي. وظلت رسوم القصيدة المتوارثة قائمة طوال العصور اللاحقة، باستثناء ما خالف فيه الشعراء المولدون في العصر العباسي أسلافهم في استهلال القصائد بالحكمة لدى المتنبي وأبي تمام أو بموضوع القصيدة مباشرة أو الخمريات عند أبي نواس.
كان النقد يواكب الحركة الشعرية في هذه الأحقاب، ولكن معظم النقاد كانوا من ذوي الثقافة العربية الخالصة وكانوا يتشبثون بنهج الشعراء القدامى، بل إن منهم من أعلن عدم رضاه عن شعر المولدين لما فيه من مخالفة ما ألفه العرب وما ألفوه هم من مذاهب الشعر، وكثيرون منهم وقفوا أمام شعر المحدثين عاجزين عن استيعاب الأساليب الجديدة ولم يرضوا عن إقحام النظر العقلي والمنطق والمعاني الغامضة في الشعر، ونحن نذكر المساجلة الطريفة التي قامت بين ناقد متشبث بالقديم هو أبو العميثل وبين أبي تمام حين قال له: يا أبا تمام: لم تقول ما لا يفهم؟. فأجابه أبو تمام: لم لا تفهم ما يقال؟. وهذه المساجلة تبرز مباينة أبي تمام لما ألفه النقاد والشعراء القدامى فهنا مناظرة بين ذوقين: ذوق عربي خالص يرى أن الشعر ينبغي أن يكون واضح المعاني بعيدًا عن الغموض، وبين ذوق شاعر محدث ذي ثقافة عقلية فلسفية يغوص على المعاني فلا تدرك إلا بكد الذهن، وقد جاءتنا كلمة ابن الأعرابي حين سمع شعر أبي تمام فقال: إن كان هذا شعرًا فما قالته العرب باطل.