فهرس الكتاب

الصفحة 3091 من 4462

وعلى أن البحتري كان تلميذًا وفيًّا لأبي تمام الذي أخذ بيده في مسيرته الشعرية بوصيته المشهورة، فإنه لم يرض عن إقحام الشعراء المنطق والتعقيد المعنوي في الشعر، فقال أبياته المشهورة التي منها قوله:

كلفتمونا حدود منطقكم

... والشعر يغني عن صدقه كذبه

والشعر لمح تكفي إشارته

... وليس بالهذر طولت خطبه

كان إذًا ثمة تعارض بين اتجاهين في قول الشعر ونقده: أحدهما يجنح إلى الغموض والغوص على المعاني وإيراد النظرات الفلسفية، وفي هذا الاتجاه نلمس أثر الفلسفة اليونانية ومنطق أرسطو، واتجاه آخر يحمل الطابع العربي الخالص الوفي لأعراف الشعر والقصيدة العربية التراثية. على أن أثر الثقافة الإغريقية كان مقصورًا على الجانب الفكري في أشعار الشعراء القدامى العقلانيين ولم يمس شكل القصيدة، فقد ظل الشعراء ينظمون شعرهم على الأوزان الخليلية ورسوم القافية المتوارثة.

وقد بدأ انحدار الشعر العربي في أواخر العصر العباسي واستفحل في عصر الدول المتتابعة، فأخذ الشعراء ينظمون في موضوعات تافهة ويعنون بالألغاز والأحاجي وكثر النظم في المدائح النبوية على أنه ظهر في ذلك العصر قلة من الشعراء المجيدين كابن التعاويذي، وصفي الدين الحلي والسّريّ الرفاء.

فلما أطل عصر النهضة برزت طائفة من الشعراء اتجهت إلى إحياء الرسوم الشعرية القديمة ومحاكاة الشعراء القدامى الفحول ولاسيما شعراء العصر العباسي، وكان لهؤلاء الإحيائيين فضل إعادة مسيرة الشعر إلى ما كانت عليه في عصور الازدهار الحضاري والأدبي، فعاد إلى الشعر العربي تألقه وأصالته، وكان رائد هذا الإحياء محمود سامي البارودي وعلي الجارم ومحمد الأسمر، ومن سار في موكبهم من شعراء مصر والعراق والشام ولم يظهر في شعر هؤلاء تأثر ذو بال بالشعر الغربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت