فهرس الكتاب
أما الشعر الحر بمعناه الحقيقي، أي الشعر المتحرر من قيدي الوزن والقافية الذي أدار ظهره للشكل المتوارث فقد ظهر متأخرًا، بتأثير تيار الشعر الحر الذي ظهر في الغرب وكان من أبرز الدعاة إليه الناقد والشاعر ت.س. إليوت ومن تابعه. وقد أطلق بعضهم على هذا النمط الشعري الجديد مصطلح"قصيدة النثر"، وفي هذا المصطلح تناقض بين جزأيه، فلفظ قصيدة يتناقض مع تعريف النثر، والأمثل أن يدعى الشعر الحر، وقد نظم فيه كثيرون، بعضهم من الشعراء الذين نظموا شعر التفعيلة، وبعضهم اقتحم بوابة الشعر الحر مباشرة. ومن المؤسف أن هذا الشكل الجديد قد أفسح المجال أمام طائفة ممن يزعمون أنهم شعراء وهم لا يملكون أية موهبة شعرية، فأسمعونا لغوًا وهذيانًا أطلقوا عليه اسم الشعر، وهو لا يمت إلى الشعر بصلة، وإنما جاؤوا بألفاظ مرصوف بعضها إلى جانب بعض لا تنطوي على أية دلالة ولا تستنبط منها أية صورة، متذرعين بدعوى أن شعرهم بما فيه من غموض لا يتأتى فك طلاسمه إلا عند أولي المقدرة على النفاذ إلى ما وراء الألفاظ والشكل الجديد للشعر.
وهذا التخبط في قول الشعر يذكرنا بما حل بفن التصوير حين نحا فيه المصور العبقري بيكاسو إلى التجريد فتابعه مصورون مبدعون وآخرون لا يملكون أية موهبة فنية، فصنعوا لوحات تجريدية لا تعدو أن تكون خليطًا اعتباطيًّا غير متجانس من الألوان والخطوط بعيدًا كل البعد عن الفن الأصيل، والفن براء منه.
إن استقصاء كل آثار المذاهب الشعرية والنقدية في شعرنا الحديث أمر متعذر بيانه في مثل هذا البحث الموجز وهو يحتاج أن يفرد له كتاب مستقل.
على أنني سأقف هنا وقفة سريعة عند المذاهب النقدية المحدثة في تحليل النص الشعري والتي تبنّت منهجًا أحاديًّا في تحليله.