فهرس الكتاب
ونريد بالعوامل الخارجية تعرّف سيرة الشاعر وما مر به من أحداث في حياته كان لها صداها في شعره، ثم أن نقف على المناسبة التي قيل فيها النص لاستجلاء معانيه، وإلى جانب ذلك ينبغي معرفة الزمن الذي قيل فيه النص والبيئة المكانية، لأن النص الشعري غير معزول عن عصره وبيئته وعن طبيعة قائله ونفسيته، ودعونا نطلق على جملة هذه العوامل مصطلح (جو النص) . وبعد أن نفرغ من هذا الجانب نتصدى لدراسة النص نفسه مستغلين شتى المذاهب النقدية التحليلية، فندرس بنية النص حروفًا وألفاظًا وتراكيب، وندرس الصور التي احتوى عليها النص دراسة فنية تستجلي ما فيها من مناحي الإبداع والتجديد والمقدرة الإيحائية مع بيان أثرها في نفس القارئ. فعنصر التصوير والخيال بنوعيه الجزئي والكلي هما قوام الشعر الحقيقي إضافة إلى عنصر الموسيقا والإيقاع، وقد نضطر إلى استخدام المناهج النفسية والاجتماعية والرمزية وغيرها في تحليل محتوى النص.
تلكم هي مقومات المنهج التكاملي الشامل في دراسة النص الشعري. ولكي أبين مميزات هذا المنهج وضرورته أضع بين أيديكم قصيدتين مشهورتين من عيون الشعر العربي القديم، وهما قصيدة أبي تمام في فتح عمورية التي مطلعها:
السيف أصدق أنباءً من الكتب
... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
وقصيدة المتنبي التي مطلعها:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيًا
وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وأنا لا أتوخى في هذه العجالة تحليل هاتين القصيدتين وفقًا للمنهج التكاملي الذي اتجهت إليه وارتضيته، لأن تحليلهما تحليلا وافيًا يحتاج إلى عشرات الصفحات، وإنما قصدي أن أبيّن ضرورة الوقوف على جو هاتين القصيدتين لنستطيع أن نتعرّف مراميهما وما فيهما من إشارات تاريخية وجوانب تتصل بالمعارف العلمية التي كانت سائدة في عصرهما، والحالة النفسية التي كان عليها الشاعران حين قال كل منهما قصيدته.
يبدأ أبو تمام قصيدته بهذا المطلع المشهور:
السيف أصدق أنباءً من الكتب