فهرس الكتاب
وفي العصر العباسي شاع علم النجوم شيوعًا عظيمًا وأصبح للمنجمين فيه مكانة كبيرة حتى أصبح الناس لا يقدمون على أمر ذي بال إلا بعد استشارة المنجمين، وبات من المألوف أن لا يقدم الخليفة على بناء مدينة أو غزو عدو أو أمر هام إلا بعد استشارة المنجمين. وقد حدث أن الخليفة المعتصم لما عزم على غزو عمّورية استشار المنجمين فزعموا له أنهم يجدون في كتبهم أن هذه المدينة لا تفتح في هذا الوقت ويجب الانتظار حتى مقدم الصيف. ولكن المعتصم ضرب بأقوالهم عرض الحائط ومضى لطيته فورًا ففتح عمورية وأشعل فيها النار، مخالفًا أقوال المنجمين. وإعراض المعتصم عن الأخذ بأقوال المنجمين إنما مردّه إلى انتمائه إلى مذهب الاعتزال العقلاني الذي انتصر له أخوه المأمون قبله ، والمعتزلة هم الذين أرادوا تحكيم العقل في أمور الدين. فلا غرو أن يستخف المعتصم بأقوال المنجمين ويعرض عن مزاعمهم وتخرُّصاتهم. وكان أبو تمام كذلك ممّن ينزعون إلى تحكيم العقل في أمورهم. فلمّا انتصر المعتصم على الروم وفتح عمورية استغل المناسبة ليسخر من المنجمين وتخرُّصاتهم. فلولا معرفتنا مسبقًا بهذه الحقائق لما اهتدينا إلى إدراك ما قصده أبو تمام في مطلع قصيدته من تفضيل أنباء السيف والقتال على أنباء كتب المنجمين. وهو يمضي في الهزء بأقوالهم وتخرُّصاتهم فيقول بعد المطلع:
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والرِّيَب والعلم في شهب الأرماح لامعة
بين الخمسين لا في السبعة الشهب أين الرواية بل أين النجوم وما
صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرُّصًا وأحاديثًا ملفَّقةً
ليست بنبع إذا عُدّت ولا غَرَب
إلى آخر هذه المقدمة وكلها استخفاف بأقوال المنجمين.
ويشير في أحد أبيات القصيدة إلى أن عمورية فتحت قبل حلول الصيف وقد زعم المنجمون أنها لا تفتح قبل حلوله:
تسعون ألفًا كآساد الشرى نضجت
جلودهم قبل نضج التين والعنب