فهرس الكتاب
فإذا عدنا إلى أخبار المتنبي في مصادر ترجمته وقعنا على أكثر من سبب لمغادرته سيف الدولة، على إعجابه وحبه له وإيثاره على غيره من الممدوحين، وقد ذكروا من أسباب هذا الفراق الخصومة التي كانت بينه وبين ابن خالويه المقرّب من سيف الدولة والتي انتهت بضرب ابن خالويه المتنبي بمفتاح فشجه وأسال دمه، ومع ذلك لم ينتصر له سيف الدولة، وكان أبو فراس كذلك من خصوم المتنبي الألداء وكان لا يفتأ يحرض سيف الدولة عليه. ويستظهر الأستاذ العلامة محمود شاكر - رحمه الله - في كتابه عن المتنبي أن السبب الحقيقي لفراق المتنبي سيف الدولة هو حبه لخولة أخت سيف الدولة، وكان يتمنى الزواج منها، فلم تتحقق أمنيته وأثار عليه سيف الدولة وأبا العشائر وأبا فراس. يضاف إلى هذا كله خيبة آمال المتنبي في تحقيق مطامحه السياسية، في تولي إمارة ترضي نزوعه إلى المراتب العليا. ولعل هذه الأسباب مجتمعة كانت وراء مفارقته سيف الدولة ليحط رحاله في الشام ثم في الرملة ثم في مصر، في جوار كافور الإخشيدي الذي كان في نظر المتنبي عبدًا اغتصب عرش مولاه، والمتنبي لا يعجب إلا بعظماء الرجال.
هذه الأسباب تضع يدنا على أسباب مفارقة المتنبي سيف الدولة ومصيره إلى كافور، وكان الشاعر إذ ذاك في حالة إحباط شديد جعلته يضيق بحياته ويتمنى لقاء الموت. ومطلع القصيدة يصوّر لنا هذه الحالة أوضح تصوير، ويصور في الوقت
عينه تعلقه الشديد بسيف الدولة، وما يكنه له من حب وولاء صادقين.
فلابد لدارس هذه القصيدة من الالتفات إلى نفسية الشاعر التي تبدو سافرة جلية في مقدمتها، ولابد له من الإحاطة بالجو الانفعالي الذي يكشف عن الجوانب الخفية فيها.
فكذلك نرى أن تحليل النص الشعري لا يستقيم إلا بعد الإحاطة بجو النص وبدراسة متكاملة لجميع عناصره اللغوية والنحوية والبنوية والتصويرية والجمالية، والمنهج التكاملي هو المنهج الأصلح الذي يفي بكل هذه المتطلبات.
إحسان النص
عضو المجمع من سورية