ويستعمل ابن الهيثم مصطلح"العَدْل"، كي يدل على مفهوم"الموضوعية"، إذ يقول:"... ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العَدْل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننقده طلبَ الحق لا الميلَ مع"
الآراء". فمن الواضح أن مفهوم"العدل"في هذا النَّص يلمح خيوطًا دقيقة تربطه بالمعنى اللغوي لكلمة"العدل"وكذلك بالمعاني الاصطلاحية الأخرى في المفهوم القرآني وفي مفاهيم بعض الفرق الإسلامية، ومنها المعتزلة..."
وربما كان من المفيد أن نجعل من بعض النصوص من كتاب"المناظر"لابن الهيثم، محورًا لدراستنا هذه لإلقاء الضوء على أسلوبه اللغوي ومنهجه العلمي في وضع المصطلحات واستعمالها وإشاعتها. يقول ابن الهيثم:"إنَّ الهواء جسم مُشِفٌّ شديد الشَّفِيف، إلا أنه ليس في غاية الشَّفيف بل فيه غِلَظٌ يَسير..." (1)
وإذا نظرنا في هذا النص بتمامه، نجد ابن الهيثم يستعمل كلمات سهلة واضحة الدلالة على المعاني
العلمية التي يريد عرضها. وقد تأخذ مكانها في إطار المصطلحات العلمية التي تجري على ألسنة ذوي الاختصاص. استعمل ابن الهيثم مثلًا في هذا النص:"جِسْمٌ مُشِفٌّ، و"شديد الشَّفِيف..."فالشَّفِيفُ مصدر شَفَّ... ومع أن الفعل"شَفَّ"ثلاثي، فقد استعمل اسم الفاعل من الفعل"أشّفَّ"، فقال:"مُشِفٌّ، ولم يقل"شافٌ"، واختار المصدر"الشفيف"ولم يختر"الشُّفوف"وهو يتكئ في ذلك على المعنى اللغوي:"وقد شَفَّ عليه ثوبه يَشفُّ شُفُوفًا وشفيفًا أيضًا، أي رَقَّ حتى يُرى ما خَلْفَه. وثوبٌ شَفٌّ وشِفٌّ أي رقيق. وتقول للبزَّار.: اسْتَشِف هذا الثوب أي اجعله طاقًا، وارفعه في ظلٍّ حتى أنظر: أكثيفٌ هو أم سخيف... (2) "
ونستطيع أن نتقرَّى بعض التعابير والألفاظ التي أصبحت
مصطلحات، لها دلالات محدَّدة. وقد يشيع استعمالها في مصنفاته ومصنفات كثير من العلماء الآخرين.