وربما كان من تمام هذا البحث أن نورد النصَّ التالي:"يقول ابن الهيثم:"إنَّ الأضواء التي تنفذ في الأجسام المُشِفَّة المخالفة الشَّفيف لِشَفيف الهواء، كالزُّجاج والماء والأحجار المُشِفَّة، وما يجري مجراها، إذا امتدت بَعْدَ نُفوذِها في هذه الأجسام، فليس تمتد إلا على خطوط مستقيمة أيضًا." (1) "
ونلاحظ أن ابن الهيثم، بعد أن ذكر المقولة النظرية، يتحوَّل إلى منهجه التجريبي لإثبات النظرية فيقول:"وقد يمكن أن يُعْتَبَر هذا المعنى أيضًا بسهولة"ومن الواضح أن"الاعتبار"هنا يعني"التجربة".
ويواصل قوله:"وذلك يكون بأن يَعْتَمِدَ المُعْتَبِرُ جامًا من الزُّجاج الصافي المُشِفِّ، المستوي السطح، أو حجرًا من الأحجار المُشِفَّة، ويقابل به الشمس في موضع، يظهر فيه ضوء الشمس على الأرض أو على الجدار. فإنه يجد له ظلالًا على الأرض أو الجدار، ويجد ضوء الشمس مع ذلك ينفذ في الجسم المُشِفِّ. ويظهر في ظل ذلك الجسم المُشِفِّ ضوء ما، دون ضوء الشمس الصريح. ثم إذا قطع المُعتَبِرُ المسافة التي بين هذا الظل وبين الجسم المُشِفِّ بجسم كثيف بَطَلَ الضوء النافِذُ الذي كان يظهر في الظل، وظهر على الجسم الكثيف...إلخ." (2)
إن النظرية المتأنية في هذا النص، تدلنا على تمكن ابن الهيثم من نظريته، وقدرته على اختيار ألفاظه. فلغته سهلة الألفاظ واضحة المعاني، يعرض فيها نظريته بدقةٍ ووضوح.
ثم يَنْقُل معنى هذه النظرية (المقولة) ، إلى ميدان التجربة. ويطلق، كما هو شأنه، على"التجربة"مصطلح"الاعتبار". فيستعمل الفعل"اعْتَبَر"بمعنى"جَرَّب""يُجرِّبُ"أو أجْرى التجربة... ويشتق منها اسم الفاعل"المُعْتَبِر"للدلالة على مَنْ يقوم بالتجربة... ويستعمل في هذه التجربة"الجام"و"المُشِفَّ"و"ضوء الشمس الصريح"و"الجسم الكثيف"و"الضوء النافذ"... وجميعها ألفاظ عربية فصيحة الاشتقاق، جعل منها مصطلحات للدلالة على معانٍ علمية محدَّدة.