ويسلك ابن الهيثم في وضع المصطلحات المنهج ذاته الذي اتبعه البيروني وابن سينا والفارابي وابن زهر وابن رشد وغيرهم من العلماء الذين ازدهرت بهم الحضارة العربية الإسلامية، وكانوا روافد مهمة وأصيلة في بناء الحضارة العالمية .
ونتوقف أيضًا عند هذا النصِّ الذي نجتزئه، بصورة عَفْوية ... يقول ابن الهيثم:"... إلا أنه ليس يقتنع التمييز في إدراك العِظَم باعتبار الزاوية فقط أو اعتبار الجزء من البَصَر الذي يُوَتِّرُ الزاوية..." (2)
فهذه لغة علمية، تكتب لأصحاب التعاليم، بل ولجمهور الخاصة. ومن الواضح أنه استعمل مصطلحات علمية، محدَّدة المفاهيم، مثل:"إدراك التمييز"و"إدراك العِظَم"و"اعتبار الزاوية"وكذلك"اعتبار الجزء من البَصَر". والاعتبار هنا بمعنى القياس
التجريبي. كما أشرنا إليه سابقًا. ويشتقُّ ابن الهيثم الفعل من الجامد، بسهولة ويُسْر فيقول:"يوتِّر"فيشتقُّ الفعل المضارع من الاسم الجامد من"وتَرِ الزاوية"...
وأخيرًا أود أن نتوقف عند هذا النص الذي يختم فيه ابن الهيثم المقالة الثالثة من كتابه"المناظر"، إذ يقول:"وجميع الأغلاط في المعاني الجزئية، إنما يكون غلطًا في مجرد الحس، أو غلطًا في المعرفة، أو غلطًا في القياس، أو غلطًا في مجموع هذه الثلاثة، أو غلطًا في نوعين منها باجتماعهما. وليس يعرض للبصر غلط في المعاني الجزئية يخرج عن هذه الأقسام... فجميع أغلاط البصر في جميع ما يدركه من صور المُبْصَرَات، وفي جميع ما يدركه من المعاني الجزئية التي في صور المبصرات على انفرادها، تنقسم إلى الأقسام التي فصلناها، وتعرِضُ للبصر على الأمثلة التي"
مثلناها، وتجتمع عللها تحت العلل التي حصرناها. وهذا حين نختم هذه المقالة ." (*) "