كانت مصر الرائدة في النهضة الحديثة ولولا كرومر وفرض اللغة الإنجليزية لكان التقدم التقني فيها لا يقل عنه في الدول الكبرى، لأن الغرب كان يخاف من النهضة المصرية ورغبات مصر في دولة متقدمة فحال دون تقدم المجتمع فكريًّا ووقف أمام التطور الحضاري والعلمي في مصر، ومع ذلك لم تنحسر اللغة العربية وتتقهقر أمام الغرب، وهي التي حوت حضارات العالم في الماضي، فقد احتوت السريانية واليونانية والقبطية. وليس هناك صعوبة كبرى اليوم في وضع معجم تقني يجمع الألفاظ والمصطلحات العلمية الحديثة لتكون عند الدارس العربي المعاصر، للاستفادة المباشرة من التقدم العلمي العربي وخبراته التي تنمو كل يوم وفهم المضامين العلمية، لأن التعمق والفهم يعيدان الثقة للعالم العربي؛ ليربط الاتصال العلمي الجديد بالواقع، ولاستنباط واختراع الجديد لهذه العلوم عند الاستفادة الكاملة من العلم. ومن الضروري نشره في المدارس والجامعات والمعاهد المختلفة حتى يقدر الباحث على التعبير عن فكره بالعربية في جميع العلوم، بعد أن فرضت الحضارة الجديدة علمها وآلاتها الجديدة على حياة العالم، وبعد أن تشابكت المصالح الكبيرة، وأصبح العالم قرية صغيرة يسهل فيها الانتقال والاحتواء بالاستفادة السريعة من وسائل المواصلات.
إن معجم"أنيس المشَرِّحين"خير مثل على نهضة مصر العلمية الرائدة وقابلية التطور الذهني لدى علمائها. وقد وضع لهذا المعجم الفهرست المرتب حسب الحروف اللاتينية، وسماها الإفرنجية، ليسهل على الطالب البحث عن المقابل العربي. وقد كان الباحث دقيقًا، فقد أفرد لكل كلمة إشارة تدل على أصلها الذي أخذها منه مع أن مصر لم تكن قبل حملة نابليون (1796م) بحاجة إلى اللغات الأجنبية.
ولكن علماء الأزهر بذلوا جهدًا كبيرًا ومشقة واسعة في ترجمة العلوم ووضع المصطلحات الجديدة لقضايا التقنية الغربية.