... أقول إن الباحث عن حقيقة الدكتور القط لن يجدها كاملة ـ في هذه الآثار المنشورة أو ترجماته البديعية لبعض مسرحيات شكسبير وبعض قصص الكتاب الأمريكيين والروس، ـ التي قدَّم بها نموذجًا رفيعًا للترجمة الأدبية الراقية والأمينة، لكنه سيجد حقيقته في مئات الندوات والحوارات والمشاركات التي أعطاها الدكتور القط مساحةً واسعة من وقته وجهده واهتمامه بحيث أصبح واسطة العقد في ندوات الإذاعة وندوات التليفزيون، والجمعيات الأدبية والمحافل الثقافية . ويبدو أن ناقدنا الكبير كان يؤْثر هذه الصيغة الشفاهية غيْرَ المقيدة بشروط الكتابة ودواعيها في التعامل مع القضايا والنصوص الأدبية أكثرَ من الكتابة عنها . ولو أن ما قاله عبر مئات الحلقات والمناقشات النقدية ـ طوال سنوات عمره جُمع ونشر لكان له ولنا من ذلك كتبٌ بالعشرات. لكن ذلك كله تبدد مع الأثير، ولم يبق منه إلا عطر الذكرى، وتلك الصورة الحميمة لناقدنا الكبير وهو يحنو ويهتم، ويشارك ويقدم عشرات الأسماء من مختلف الأجيال، يأخذ بأيديهم ويفسح لهم في مجالات النشر والحياة ويدعمهم أدبيًّا وماديًّا، بالرغم من تعرضه لعقوق بعضهم وتنكرهم لأبوته الروحية وأستاذيته، لكن هذا العقوق لم يكن ليُخلّف في نفسه مرارة تذكر، أو ليصرفَه عن دوره المعتاد رائدًا ومُعلمًا.