... وعندما توّجت مسيرة ناقدنا الكبير بعضوية مجمع اللغة العربية على رأس الكوكبة الأخيرة التي شرُفت بهذه العضوية ـ التي تأخرت كثيرًا بالنسبة له ولآخرين، ربما كان من الأوفق لو ولجوا إلى رحاب المجمع وهم أوفرُ نشاطًا وقدرة وحيوية وجلَدًا. وفي تاريخ المجمع والمجمعيين تلتمع أسماء العلماء الأجلاء الذين نالوا شرف عضويته ولمّا يتجاوزوا الأربعين من العمر، وامتدت حياة بعضهم ـ في ظلال المجمع ـ لأكثرَ من نصف قرن، يعطون ويسهمون ويضيفون ويُجدّدون ـ أقول عندما تُوّجت مسيرة ناقدنا الكبير بهذه العضوية، مدركًا أنه قد بدأ يشارف نهاية المضمار ـ كان صوته عميقًا ومؤثرًا وهو يعرض لعلاقته القديمة الحميمة باللغة العربية ويقول:
... كانت اللغة العربية في بداية هذا العصر الحديث عُدّة الشعب العربي في نهضته الحضارية، ووسيلة إلى المعارف العصرية في العلم والأدب، وسلاحه الفكري والنفسي في مواجهة الغزو الغربي المزوّد بآلة الحرب وسلطان العلم والمعرفة .
... وقد حمل عبء هذه النهضة القومية الحديثة، بأدبها وعلمها وسياستها، أعلامٌ كانوا ـ على اختلاف ملكاتهم ـ يؤمنون بأن اللغة ـ وما تحمله من تراثٍ وتاريخ وروح حضارة ـ هي المنطلق الأول لكي يتصل القديم بالجديد، ويتوحدَ فكر العرب ووجدان الشعب العربي في صورة عصرية . تأخُذ من القديم أصحّه للبقاء، وتقتبسُ من الحديث أَنفعه للنهضة، وأقدَرهُ على مواجهة حاجات العصر .
... في ظل هؤلاء الأعلام ونُورهم، نَمت الفطرة عند الكثيرين، فغدت موهبةً واعية قادرة، بما اكتسب من علم وخبرة، ومن فكرٍ عصري مستنير لكل هذا نشأ هذا المجمع العربي الجليل الذي أشرُف اليوم بانتسابي إليه .
... وفي لمحة مفعمةٍ بالشجن، تعطفُ الحاضرَ إلى الماضي في حياة الدكتور القط ووجدانه، وتتطلع إلى ما يمكن أن يتسع له المستقبل من أحلام العمر وتطلعاته، كان الدكتور القط يقول ونحن لا ننتبه كثيرًا لمعنى ما كان يقول: