يرى الغرب أنه منذ أربعة قرون قام ببلورة المفاهيم الأساسية للبحث، وفي الغرب وحده، تبلورت مفاهيم التاريخ والتجريب والتنمية والتقدم ، أي كل ما يشكل الميراث الفكري للإنسان الحديث ويرى الغرب أن الشرق لم يساهم في الميراث الحديث، طيلة تلك الفترة، وتلك مفخرة يحسبها الغرب لنفسه، لذلك يرى الغرب أن من أغرب الغرائب أن يطلبوا - أي أهل الثقافات المدروسة من الغرب - التراجع عن مفاهيمه وتصوراته ومنهجياته عندما يدرس حضارات الشرق لمجرد إرضاء الشرق، والأشد غرابة كما يرى الاستشراق: أن يطلب منه تبني مفاهيم الشرق وتصوراته في عملية الدراسة، لاريب في أن هذه المفاهيم والتصورات ذات قيمة تاريخية عظيمة بل وعظيمة جدًّا ولكنها أصبحت الآن من قبل التطور للفكر البشري، جزءًا لا يتجزأ من التراث البشري العام وهي ذات قيمة تاريخية، فالواقع يجبرنا على الاعتراف بأننا لا نجد للشرق المعاصر أي مساهمة في بلورة المفاهيم الحديثة والأفكار الأساسية والتأويلات الحديثة للتاريخ والحياة، إنه لم يساهم طيلة القرون الأخيرة بأي شيء منها، ونحن لا نزال ننتظر منه أن ينهض ويقول لنا العكس ويكذب رأينا.
ولكن مادام الشرق في نظر الاستشراق لم ينجح حتى الآن في كسر هذه العقدة، عقدة الظنون والاشتباه والضغينة تجاهه والتي تسيء إلى تعاونه الصادق مع الغرب فسوف يظل الخلاف قائمًا، لكننا نرى أن الشرق ليس بهذه الصورة القاتمة إنما الشرق علم وثقافة ومنهج، وإذا كنا مقبلين على طريق عمل مشترك ومتقابلين على ورقة تحمل صيغة ثقافية مشتركة، فعلينا متآزرين أن نتفق على قواعد منهجية يقوم عليها الحوار المشترك وتكون مرجعية معيارية دون التلويح بالتنابز والإثارة .