فهرس الكتاب

الصفحة 3491 من 4462

وإذا كان الإسلاميون ينزعجون من تطفلنا على مجال دراستهم وأنهم أولى بذلك منا فإنه ينبغي أن يعرفوا أيضًا أن الاستشراق الأوربي هو الذي أخذ المبادرة في العصور الحديثة لدراسة تاريخهم الخاص، وأنه لولاه لكانوا عاجزين عن أن يقولوا عن ماضيهم بطريقتهم الخاصة.

فنحن لا نزال نمتلك حتى الآن المزية المتفوقة التالية: إننا قادرون على الاهتمام بتاريخ شعوب العالم وليس فقط بتاريخنا الخاص.

بمعنى آخر: فإننا نقدم لدراسة كل من هذه الشعوب حسًّا تاريخيًّا عامًّا ولا يستطيع الشرقيون أن يمتلكوا ما يوازيه ماداموا عاجزين عن توليد علماء الاستغراب، وهكذا يتقاذفون سهام النقد الجدلي عن قوس خاب باريه .

يطرح فرانسيسكو جبرائيل سؤالًا كثيرًا ما يردده الشرقيون على سمع المستشرقين وهو: على فرض أن لكم بعض الفضل في دراسة ماضينا، فماذا تفعلون بحاضرنا ؟

فحاضرنا يطرح عليكم همه ومشكلته منذ الآن فصاعدًا ويفتح بيننا وبينكم أزمة أنه يشكل أزمة، فهذا الشرق يريد أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه إنه يريد أن يخرج من هامشيته، وهذا الشرق المنبعث الآن يقف أمامكم بكل مشاكله وحاجياته، ورغبته العميقة في تذوق ملذات هذا العالم وأطايبه، وهي رغبة لم تشبع بعد كما حصل عندكم، فما هي نوعية اهتمامكم به؟ وما هي الوسيلة التي ستستخدمونها لدراسته ومساعدته بعد أن قضى على قمعكم البشع واستعماركم؟ وكيف يمكنكم أن تطمعوا بعد الآن في كتابة تاريخنا وتحليل مشاعرنا وآمالنا عن طريق منهجيتكم القديمة المصبوغة بالعرقية المركزية الأوربية ؟

ومن المعروف أن هذه المنهجية أو ذلك التصور هو الذي أتاح لكم أن تعتبروا أوربا محور التاريخ العالمي ومركزه، هذا مع العلم أنها قد أصبحت الآن في طريق الانحطاط العرقي تلك التي أخرجت قضية العلاقات الثقافية بين الإسلام والاستشراق عن الموضوعية إلى المناظرة والمساجلات الجدلية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت