فهرس الكتاب
والتعريب اليوم أداة لا غنى عنها من أدوات تيسير الأداء العلمي العربي والعمل على توحيد المصطلحات . ومن عجب أننا لازلنا نرى له مستهجنين في عصرنا الحاضر ؛ ولقد كان القدماء أكثر منا جُرأةً على الأخذ من اللغات الأخرى ، وعلى صَهر ما يأخذونه من ألفاظ في لغتهم حتى يصير كأنه منها . ومن طريف ما يروى عن الكيفية التي كانت تدخل بها المعرَّبات اللغة في أزمنتها القديمة أن عليًا بن أبي طالب - كرم الله وجهه - كانوا قد أطعموه أكلة لذيذة ، فسأل عن اسمها فقيل له"فالوذج"؛ فقال:"وما الفالوذج"؟ فقيل له"هو طعام المِهرجان"، فقال:"إذن مهرجونا منه كل يوم"! فدخلت الكلمتان العربية ، واشتق من إحداهما فعل .
وما كانت الألفاظ المعرَّبة تستقيم على اللسان العربي حتى تشيع على ألسنة الناس وكأنها من المتن الأصيل للغة ، وحتى تُشتق منها الأفعالُ والمصادر وما يأتي منها . وقد اشتق القدماء من الديباج: دبَّج ، والديباجة ، والتدبيج … إلخ . ومثل ذلك صنعه المحدثون في بَسْتَر بسترةً، وفي فَبْرَكَ وكَهْرَبَ ومَغنَطَ وبَلشَف … إلخ . ومَن مِنَ الجمهور العام الآن يشك في أن كلمة"دلتا"غير عربية ؟ ومَن مِنَ الإنجليز سوى علماء اللغة من يعرف أن كلمة"alidade" (وهو جهاز يستعمل في عمليات المساحة ) كلمة مقترضة من العربية ، وأن أصلها العربي"العَضادة". أو أن كلمة"cable"عربية وأصلها"كَبْلُ"، بل إنه لمن المؤسف أن كثيرًا من المتعلمين العرب يظنون أن كلمة كبل مُعرَّبة !! وهي عربية قَحَّة . وقد سبقت الإشارة إلى دخول كلمة"Intifadah"أخيرًا إلى متن اللغة الإنجليزية وغيرها من لغات الغرب وجريانها على ألسنة الناس من جراء اطراد استعمالها في لغة الصحافة والإذاعة المسموعة والمرئية ، بل ما لبثت أن تأصلت في لغتهم حتى صارت من مفردات الشعر فيها . (Thoraya Allam: Poems of the Intifadah, P.75) .