فهرس الكتاب
وفي ضوء هذا نستطيع القول بأن اللغة ملك السماع؛ فاللغة التي تعتاد الأذن على سماعها هي التي ستصير لغة سامعها، أيًّا كان أصله العِرْقي، فلا علاقة بين العرق واللغة- كما أوضح غير عالم لغوي في دراساته (3) - ولا يورثها الآباء للأبناء إلا بقدر سماعهم لها منهم، ولو كانت اللغة وراثة لبقينا على لغة أسلافنا الأولى لا تغيير فيها، ولَما تكلم العربي الذي يُولَد في غير وطنه العربي لغة البلد الذي رُبِّيَ فيه وليدًا، ولَما وجدنا أبًا لا يجيد إلا لغة واحدة، وابنه يجيد لغتين أو أكثر؛ فاللغة ظاهرة اجتماعية قابلة للتغير على ألسنة الأبناء بفعل عوامل كثيرة منها: التعليم، والمصاهرة، والمهنة، والانتقال من مكان إلى آخر، ومخالطة طبقات أخرى غير طبقته الأولى، وغيرها؛ الأمر الذي يهيئ لملامح لغوية جديدة تتوطد على ألسنة الأبناء وأبنائهم جيلًا بعد جيل وهلم جرا.
وعلى هذا فإن القول بإمكان الاستدلال بطريق الكلام على الأصول العرقية ليس دقيقًا، وإنه إذا كان بالإمكان ردُّ ظاهرةٍ لهجيةٍ حديثةٍ إلى ظاهرةٍ لهجيةٍ قديمةٍ فهذا لا يعني أن الناطق بظواهرَ من هذه اللهجة القديمة اليومَ أو غدًا يرتدُّ في أصوله العرقية إلى أصحابها الأوائل (4) .
إن اللغة- فيما نؤكد- رهينة السماع، وقدرة الله- سبحانه وتعالى- منحت الإنسان جهازًا نطقيًّا قادرًا على التكيف، فيمكنه محاكاة الكلام الذي يتردد على أذنه، واقتضت حكمته اختلاف ألسنة بني البشر، يتكلم الإنسان منها ما اعتاد على سماعه ومعايشة أهله، فقال عز من قائل:"ومن آياته خَلقُ السمواتِ والأرضَ واختلافُ ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآياتٍ للعالِمين" (الروم:22) .