فهرس الكتاب

الصفحة 3643 من 4462

إن ارتباط الكلام بالسماع نتبينه فيمن ابتُلوا بعاهة الصمم، أو نقصٍ في السمع، فكانوا بكمًا أو مرضى كلام لا يعون إلا القليل، فلو كان الأمر أمر وراثة لوجدناهم يتكلمون لغة آبائهم، ولَما وجدنا المكفوف الذي لم يُعَطَّل جهازه السمعي يتكلم ويتعلم ويبدع في أمور كثيرة، وهكذا فإن السمع وسيلة الإنسان إلى امتلاك اللغة، ووسيلته إلى الفهم والتعلم، ومادام الإنسان يسمع فهو يتعلم.

السماع فطرة العربي القديم في اكتساب فصاحة العربية:

وتطبيقًا عمليًّا لأهمية السماع في تحصيل فطرة اللغة وجدنا العرب في العصر الجاهلي تتخذ منه وسيلة لتربية أبنائها منذ الصغر على الفصاحة، فكانوا يرسلونهم إلى البادية موطن الفصاحة والفراسة في اعتقادهم الراسخ، ولا أظننا لم نطّلع على قصة تربية سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم - على يد حليمة السعدية في مضارب بني سعد، وقد أشار- صلى الله عليه وسلم - إلى أثر هذه النشأة في فصاحته فقال:"أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد" (5) ، واستمرت هذه العادة إلى ما بعد العصر الجاهلي فرأينا خلفاء بني أمية والعباس يرسلون أبناءهم إلى البادية، وكذلك وجدنا كبار الشعراء أمثال بشار بن برد ينشؤون نشأتهم الأولى فيها، وكأن الفصاحة في نظرهم عنصر من عناصر اللبن الذي ترضعه هؤلاء الأمهات البدويات لأطفالهن، جاء في ابن منظور:"وأَفصحَ اللبن: ذهب اللِّبَأ عنه...، وفَصُحَ اللبن: إذا أُخذت عنه الرّغوة؛ قال نَضْلَةُ السُّلَمِي:"

رَأَوْهُ فَازْدَرَوْهُ، وَهْوَ خِرْقٌ

وينفعُ أهلَهُ الرجلُ القبيحُ

فلم يَخْشَوا مَصَالَتَهُ عَلَيْهِمْ

وَتَحْتَ الرّغوةِ اللبنُ الفصيحُ وأفصحت الشاة والناقة: خلص لبنُهما، وقال اللحياني: أفصحت الشاة: إذا انقطع لِبَؤُها وجاء اللبن بعد" (6) ، هكذا فإن من معاني الفصاحة في اللغة اللبن الخالص."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت