فهرس الكتاب

الصفحة 3646 من 4462

وهو ما يكتسبه الفرد طفلًا منذ أيامه الأولى من أبويه وأفراد عائلته والمحيطين به من جيرانه وأبناء مجتمعه، فالتواصل أو إن شئت فقل التفاعل الاجتماعي بين الفرد والمحيطين به هو المصدر الأول لاكتساب اللغة، وقد لفت ابن خلدون الذي رأى أن السمع أبو الملكات اللسانية (19) إلى أثر هذا المصدر وتكراره- وهو ما عبر عنه ابن فارس بكلمة"اعتيادًا"- في تكوين ملكة الإنسان اللغوية التي تُمكِّنه من اللغة، ينطقها دون تكلف أو عناء، يقول:"والملكات لا تُحَصَّل إلا بتكرار الأفعال....فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أوّلًا ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة، ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكةً و صفةً راسخة، ويكون كأحدهم، هكذا تَصَيَّرَتِ الألسن واللغات من جيل إلى جيل، وتعلمها العجم والأطفال" (20) .

ولفت ابن جني إلى أهمية السماع في تنمية ملكة الفرد اللغوية التي يكتسبها من أبناء جماعته، وذلك حين تحدث عن اتصال العرب ببعضهم وأثره في انتقال لغاتهم إلى بعضهم فقال:"إنهم بتجاورهم وتلاقيهم وتزاورهم يَجْرون مجرى الجماعة في دار واحدة، فبعضهم يلاحظ صاحبه ويراعي أمر لغته (21) ، كما يراعي ذلك من مُهمّ أمره" (22) . وهكذا تتنامى حصيلة الفرد اللغوية ما دام متصلًا بغيره من الناس.

ووجدنا الجاحظ ينص على أثر السماع في الفصاحة والتقويم، فيقول:"وأنا أقول: إنه ليس في الأرض كلامٌ هو أمتعُ ولا آنَقُ، ولا ألذُّ في الأسماع، ولا أشدُّ اتصالًا بالعقول السليمة، ولا أفتقُ لِلِّسانِ، ولا أجودُ تقويمًا للبيان، من طول استماعِ حديث الأعراب العقلاء الفصحاء، والعلماء البلغاء" (23) .

ب- التلقين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت