فهرس الكتاب
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يمكننا أن نفهم لِمَ كان تدقيقهم في البحث عن أحوال اللغات وروايتها جرحًا وتعديلًا، وتأليفهم الكتب المستوثقة في تمييز أهل الصدق من أهل الكذب، وما مغزى عباراتهم الدالة على هذا المضمون ؟ فقد كانوا يقولون:"سمعنا من العرب الموثوق بعربيتهم"و"العرب الموثوق بعربيتها"وسمعنا ممن يوثق بعربيته"و"حدثنا من نثق به"و"أخبرني الثقة"و"حدثني من أثق بعربيته"و"حدثني الثقة عند العرب"و"أخبرني فلان وفلان، وهما عدلان" (34) ،... إلخ، وفي هذا السياق لفت السيوطي من قبل إلى أن"كثيرًا ما يقع في كتاب سيبويه وغيره: (حدثني من لا أتهم) و (من أثق به) " (35) ."
وكذلك نفهم إجماعهم على أهمية التواتر في النقل، وأن"ما انفرد بروايته واحد من أهل اللغة ولم ينقله أحد غيره"يشترط في قبوله أن يكون"المتفرد به من أهل الضبط والإتقان، كأبي زيد والخليل والأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيدة وأضرابهم، وشرطه ألا يخالفه فيه من هو أكثر عددًا منه" (36) .
ثانيًا-جمع اللغة:
نَشطَ علماء العربية في جمع لغتهم من مصدرها العرب الخُلّص؛ فقد أيقنوا وهم يضعون علومها ضرورة مشافهتهم، فوجدناهم يشافهون الأعراب الذين كانوا يفِدون إلى بلاد الدَّرْس كالبصرة والكوفة وبغداد وغيرها، وكذلك رأيناهم يَخِفُّون فيجوبون البوادي والقفار بحثًا عن صواب اللغة؛ فقد ذُكر أن الكسائي (ت. 189هـ) لمّا لقي الخليل (ت 175هـ) في البصرة بهرته غزارة علمه، فسأله عن مصدره، فقال الخليل:"من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فخرج الكسائي حتى أنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظه" (37) ، وأن أبا عمرو الشيباني (ت. 206هـ) ذهب إلى البادية ومعه دستيجان حبرًا فما خرج حتى أفناهما، يكتب ما سمعه عن العرب (38) .