فهرس الكتاب

الصفحة 3650 من 4462

كان الارتحال إلى مصادر اللغة الفصيحة منهجًا عامًّا اعترف به علماء اللغة العربية منذ بداية عهدهم بالدرس اللغوي، وقد وجدناهم وهم يطبقونه يحددون قبائل وبيئات معينة (39) ، وكان معيارهم في اختيار البيئات اللغوية الموثوق في فصاحة لغتها. يعتمد على مدى توغل أبنائها في البداوة وانصرافهم عن مداومة الاختلاط بغيرهم من الأمم الأخرى اختلاطًا يؤثر في لغتهم، يقول أبو نصر الفارابي:"وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم" (40) .

والروايات في مجال اهتمام علماء العربية القدماء بالسماع ودقتهم في الأخذ من أفواه العرب كثيرة، سواء في الذهاب إلى مصادر اللغة في أماكنها في قلب الجزيرة العربية، أو بوفود أهل اللغة من البدو إليهم بالبصرة أو الكوفة أو بغداد، يأخذون عنهم، ويحتكمون إليهم؛ ومن مظاهر اهتمامهم بالسماع وهم يجمعون اللغة هذه الروايات التي نقرؤها في كتب الأخبار واللغة، فهي توضح حرصهم الشديد على التأكد من صحة ما يسمعونه، والتثبت من صحة نطقه؛ فقد جاء عن أبي عمرو بن العلاء (ت 154هـ) أنه لم يكن متأكدًا من حركة الفاء في كلمة"فرجة"أهي بالفتح أم بالضم؛ فقد ذُكر أن الحجاج بن يوسف قد توعده بالقتل فَفَرَّ منه إلى الصحراء، وبينما كان على هذا الحال سمع مُنْشِدًا ينشدها بالفتح، وذلك في قوله:

ربما تَجْزَعُ النُفُوسُ من الأمْـ

رِ لهُ فَرْجةٌ كَحَلِّ العقالِ

ثم أردف قائلًا:"إلا أنه قد مات الحجاج"؛ فقال أبو عمرو:"فما أدري بأيهما كنت أشد فرحًا بقوله: (فَرْجَة) ، أو بقوله: (مات الحجاج) (41) ."

وكذلك رُوي عن أبي زيد الأنصاري (ت.215 هـ) أنه قال:"طُفت في عليا قيس وتميم مدة طويلة... أسأل صغيرَهم وكبيرَهم؛ لأعرف ما كان منه- يعني عين المضارع من الماضي الثلاثي- بالضم أََولى، وما كان منه بالكسر أَولى" (42) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت