فهرس الكتاب
ومما يدخل في مجال الدقة في السماع وتحري الصواب فيه أن علماء العربية وخاصة في أواخر ما أسموه بعصر الاحتجاج، لم يسلّموا لهؤلاء البدو في كل ما يسمعونه منهم؛ فقد كانوا حريصين على التأكد من مصداقية فصاحة صاحبه ؛ لذا فقد وجدناهم يوثقون ما يسمعونه من لغة أو شعر أو حديث نبوي شريف على طريقهم في السند؛ لفتًا إلى أهمية السماع ووجوب التوثق من صحة المصدر. ومن مظاهر هذا الحرص أنهم كانوا يختبرون الأعراب القادمين إليهم من البادية؛ لأن منهم من اتخذ اللغة حرفة يعتاش منها، فوجدنا عالم اللغة ابن جني يحذر جمهور العلماء من الثقة بكل المسموع، فيقول:"فإياك أن تخلد إلى كل ما تسمعه، بل تأمل حال مورده، وكيف موقعه من الفصاحة، فاحكم عليه وله" (43) ويضرب لذلك مثلًا بأحد مُدَّعي الفصاحة، وكيف كان القياس وسيلته إلى كشفه، فيقول:"وقد كان طرأ علينا أحدُ من يَدَّعي الفصاحة البدوية، ويتباعد عن الضَّعْفَةِ (44) الحَضَرِيَّة، فتلقينا أكثر كلامه بالقبول له، وميزناه تمييزًا حَسُنَ في النفوسِ موقعُه، إلى أن أنشدني يومًا شعرًا لنفسه يقول في بعض قوافيه: أشأؤها (45) وأدأؤها (46) بوزن أشععها وأودععها، فجمع بين الهمزتين. كما ترى، واستأنف من ذلك ما لا أصل له، ولا قياس يسوغه، نعم، وأبدل إلى الهمز حرفًا لا حَظَّ في الهمز له، بضد ما يجب؛ لأنه لو التقت همزتان عن وجوبِ صنعةٍ لَلَزِمَ تغييرُ إحداهما، فكيف أن يقلب إلى الهمز قلبًا ساذجًا عن غير صنعة ما لا حَظَّ له في الهمز، ثم يحقق الهمزتين جميعًا! هذا ما لا يبيحه قياس، ولا ورد بمثله سماع" (47) .