فهرس الكتاب

الصفحة 3653 من 4462

إن الاطلاع على تاريخ العرب وتراثهم- كما يتضح في سطور هذا البحث- يدلل دلالةً واضحةً على وعي العربي فطرةً وصناعةً بخاصية اللغة الصوتية أداءً حيًّا منطوقًا، واقترانها بالسماع تحصيلًا وتعليمًا، ففي مجال الدراسة وجدنا كيف أن أبا الأسود الدؤلي وهو يضع علامات التشكيل، يركن إلى السماع والملاحظة، أو إن شئت فقل بلغة الإعلاميين: اعتمد الصوت والصورة المتمثلة في حركة شفتيه، فيقول لكاتبه:"إذا رأيتَني قد فتحتُ فمي بالحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممتُ فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرتُ فمي فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعت شيئًا من ذلك غُنة فاجعل مكان النقطة نقطتين" (55) .

... إن تأمُّلَنا لهذه الرواية يوضح لنا كيف كان الأداء بالصوت والصورة المصدر الطبيعي الذي انبثقت منه هذه المصطلحات النحوية:"الفتحة"و"الضمة"و"الكسرة"الذائعة إلى يومنا.

وفي مجال التقعيد وجدنا علماء العربية يجلون السماع، ويعتبرونه ركنًا أساسيًّا في وضع القاعدة اللغوية؛ فقد كانوا لا يعبؤون إلا بما ثبت سماعه، ووجدنا جمهورهم لا يضع القاعدة إلا مما كثر ذيوعه على الألسنة، وبالجملة فإنهم لم يضعوا قاعدة بغير سماع ثبتت صحته، وقد مرَّ بنا كيف كانوا يتثبتون من صحة السماع أو الرواية، وينصون على ضرورة ذلك.

رابعًا- تعريف اللغة:

... وتجلى الوعي التراثي بصوتية اللغة في تعاريف علماء العربية النظرية للغة، حيث صدّروها بالنص على صوتيّتها؛ فوجدنا عالمنا ابن جني يعرّفها بأنها:"أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" (56) ، وهو تعريف تواتر نقله نصًّا أو مضمونَّا"في كتب علماء العربية القدماء، ولم يشذ علماء العربية المحدثون عنهم، حيث اقتبسوه في مصنفاتهم، ودرسه بعضهم إلى جانب التعريفات الحديثة التي اطّلع عليها، وحاول أنْ يبين ما فيه من خصائص جامعة تعرف باللغة، ومميزاتٍ علميةٍ تتفق وما يقوله علماء اللغة المحدثون في مفهوم اللغة" (57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت