فهرس الكتاب

الصفحة 3654 من 4462

خامسًا- ذم أخذ اللغة بغير سماع:

لمّا كانت الكتابة تجريدًا للغة من صفتيها النطقية والسمعية وجدنا علماء العربية وهم الغُيرُ على لغتهم والحريصون على أخذها سليمة كما ينطقها أهلها الفصحاء يتحرجون من أخذها عن الصحف أو الكتب التي أرجعوا إليها بعض أخطاء العلماء والرواة؛ لذا وجدناهم يكرهون الرواية عن الصحف، بل يمتنعون عنها فلا يأخذون منها إلا ما ثبتت صحته عند الرواة والعلماء (58) ، يقول ابن سلام:"وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه (59) أن يقبل من صحيفة، ولا يروي عن صحفي" (60) .

... وعرّفوا"المُصَحِّف والصَّحفي- بأنه- الذي يروي الخطأ عن قراءة الصحف" (61) ، وجاء عن المعري أن"أصل التصحيف أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته في صحيفة، ولم يكن سَمِعَهُ من الرجال، فيغيره عن الصواب" (62) ، ونراهم ذمًّا يطلقون مصطلحي"التصحيف"المأخوذ من الصحيفة وجمعها صحف وصحائف، و"التحريف"المأخوذ من الحرف وجمعه حروف وأحرف على الخطأ الذي يصيب اللغة نتيجة الخطأ في كتابتها أو قراءتها، وهما مصطلحان اقترن أحدهما بالآخر عند بعض علماء العربية في هذا المجال؛ فوجدنا من يرادف بينهما، أو يطلق التصحيف على تغيير نقط الحروف المتماثلة في الشكل كالباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء وغيرها،والتحريف على تغيير الحروف المتشابهة رسمًا كالدال والراء والميم والقاف وغيرها (63) .

... ووجدنا علماء العربية يتحدثون عن أخطاء الوراقين أو النساخ وطرائق تقويمهم، ويهجون من يأخذ علمه عن الصحف، فقالوا ذمًّا:"هل هو إلا لحانة صحفي"، وهجا الجاحظ أحمد بن عبد الوهاب بأنه:"كان قليل السماع غمرًا (64) ، وصحفيًّا غفلًا" (65) ، وهكذا فإن غفلة هذا الرجل عند أديب العربية سببها عدم أخذه العلم من صدور الرجال مصدره الموثوق، وعيب الشاعر أبو النَّجم العجلي لذكره الكتابة في شعره إذ قال:

أَخْرُجُ من عندِ زيادٍ كالخَرِفْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت