تَخُطُّ رجلايَ بخطٍّ مختلِفْ
كأنما تكتبان لامَ أَلِفْ (66)
رأى علماء العربية أن الحافظة أو الذاكرة عليها المعوّل، وقرأناهم يقولون:"مذاكرة الرجال تلقيحٌ لألبابها"، وحرصًا على سلامة الأخذ ودقته وجدنا ابن قتيبة ينص على أن"كل عِلْمٍ محتاجٌ إلى السماع، وأحوجه إلى ذلك علمُ الدين، ثم الشعرُ، لما فيه من الألفاظ الغريبة، واللغات المختلفة، والكلام الوحشي، وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه" (67) ، ثم يضرب أمثلة لما وقع فيه التصحيف (68) .
وفي المقام المضاد وجدنا من ينكر معرفته بالكتابة، والرواية متواترة في محاولة الشاعر ذي الرمة كتمان معرفته بها؛ فنراه يطلب من أبي عمرو بن العلاء - عندما رآه يكتب في دكان طحّانٍ بالبصرة، فسأله:"ما هذا يا ذا الرمة؟"- ألا يذيع ما رآه، قائلًا:"اكتم عليّ يا أبا عمرو" (69) .
وفي روايةٍ أخرى أنه قال في شعره (70) :
كأنما عينُها منها (71) وقد ضَمَرَت
وضمَّها السيرُ في بعضِ الأضاميمُ (72)
ولمّا سئل:"من أين عرفت الميم؟"فقال: والله ما أعرفها؛ إلا أني رأيت معلمًا خرج إلى البادية فكتب حرفًا، فسألته عنه، فقال: هذا الميم؛ فشبهت به عين الناقة" (73) ."
السماع السلبي بين الفطرة ومجال الدراسة:
... ... وجدنا العرب في اهتمامهم بالسماع يتنبهون إلى ما يمكن تسميته بأثر"السماع السلبي"، ونلمس التنبه في نهي الكفار بعضهم عن سماع القرآن الكريم؛ خوفًا من تأثيره فيهم؛ فيكون استماعهم سببًا في دخولهم في دين الإسلام (74) ، قال تعالى على لسانهم:"لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تَغلبون" (75) .