فهرس الكتاب

الصفحة 3658 من 4462

وكان لاستقرار الحضر في ديارهم أثره في تهيئة المجال لهم للاتصال بالآخرين، واستمرار تأثرهم بغيرهم، وقد أشار الجاحظ إلى شيء من هذا فقال:"وأهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب؛ ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظٍ من ألفاظِ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر" (92) . و"أن أهل المدينة لمّا نزل فيهم ناسٌ من الفرس في قديم الدهر عَلِقوا بألفاظٍ من ألفاظهم؛ ولذلك يُسَمّون البِطّيخ: الخِرْبِز، ويسمون السَّميط: الرَّذْدَق، ويسمون المَصُوص: المَزُور، ويسمون الشِّطرنج: الأَشْتَرَنج، في غير ذلك من الأسماء، وكذلك أهل الكوفة؛ فإنهم يسمّون المسْحاة: بالْ، وبالْ بالفارسية" (93) .

كما أشار ابن خلدون إلى اختلاف لغة الأمصار في عصره، فقال:"اعلم أنّ عُرْفَ التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مُضَر القديمة ولا بلغة أهل الجيل، بل هي لغةٌ أخرى قائمة بنفسها بعيدةٌ عن لغة مضر، وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد" (94) .

وقد دفعت هذه النظرة إلى لغة أهل الحضر، بل إلى واقعهم اللغوي المختلف عن الواقع اللغوي البدوي بالعلماء إلى القول بفساد لغتهم ولينها (95) ، والإعراض عن أخذها عنهم، فوجدنا أبا عمرو بن العلاء عندما سمع قول عبيد الله بن قيس الرقيات:

إنَّ الحوادثَ بالمدينةِ قدْ

أَوَجَعْنَني وقَرَعْنَ مَرْوتيَهْ

ينتهر منشده قائلا:"ما لنا ولهذا الشعر الرخو، إن هذه الهاء لم توجد في شيء إلا أرْخَتْه" (96) ،ووصم عبد الملك بن مروان قافيته بالتخنّث (97) .

ووجدنا الأصمعي وهو يُخطِّئُ ذا الرُّمة في تأنيثه كلمة (زوجة) في قوله:

أذو زوجةٍ في المِصْرِ أم ذو خصومةٍ

أراك لها بالبصرةِ العام ثاويا (98)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت