معللًا ذلك بأن الشاعر"طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين" (99) ، وذلك كناية عن طول مكثه في الحاضرة مما أثّر في توهين لغته، ووجدناه أيضًا لا يأخذ بلغة الكميت، وكان يقول:"هذا جُرْمُقاني من أهل الموصل، ولا آخذ بلغته" (100) .
على أن هذه المعايير التي اعتمدها علماء العربية في تضعيف لغة أهل الحاضرة ومن جاور الأعاجم أو اختلط بهم لم تسلم من خروق، وليس أدل على ذلك من افتخار البصريين على الكوفيين بقولهم:"نحن نأخذ اللغة من حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز وباعة الكواميخ، (101) وذلك كناية عن تساهلهم في أخذ اللغة، ومما يُروى عنهم في هذا السياق أنهم"لو سمعوا بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول، جعلوه أصلًا، وبوّبوا عليه بخلاف البصريين" (102) ، وأن عَلَمَهم الكسائي-كما يقول أبو زيد الأنصاري-أتى"البصرة، فلقي عيسى والخليل وغيرهما، وأخذ منهم نحوًا كثيرًا، ثم صار إلى بغداد فلقي أعراب الحُطَمَة، فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن، فأفسد في ذلك ما كان أخذه بالبصرة كله" (103) ، وأعراب"الحطمة"أو"الحُطَمِيَّة"بطن من عبد القيس نزلوا بِقَطْرَبُّلَ وغيرها من قرى سواد ببغداد" (104) ، كما أشار السيوطي إلى أن اختلاطه بأعراب الأَبُلَّة أفسد علمه (105) ومما يدخل في خروق هذا المعيار العام عناية ابن مالك في كتبه بنقل لغة لَخمْ وخزاعة وقضاعة (106) ، وهي من القبائل المنصوص على عدم الأخذ عنها.