اعتنى المحدثون في مباحثهم بالسماع بوصفه طريقًا معتمدًا لجمع اللغة من أفواه الناس وحصر أنماطها؛ لتشكل المادة الخام التي يعتمد عليها عالم اللغة في الدراسة واستنباط القوانين اللغوية، وفرقوا في هذا المقام بين اللغة المنطوقة المسموعة أو إن شئت فقل: لغة المشافهة، ولغة الكتابة الرسمية أو الفصيحة بمصطلحنا العربي، ورأوا في اللغة المسموعة مصدرًا ثرًّا للدراسة اللغوية الحية، وفي المنهج الوصفي "Descriptive method" منهجًا صالحًا تبدأ به أية دراسة لغوية علمية؛ فهو يعتمد على ملاحظة المنطوق حال نطقه بالوسائل العضوية والمعملية، كما تحدثوا عن دور مساعد البحث"راوية اللغة""Informant"، أو ما أسموه "Native speaker" صاحب اللغة أو"Ideal speaker hearer" النموذج أو القدوة، فهو فرد من أفراد اللغة المدروسة، ويمثل أهلها في الدراسة اللغوية.
... وتأكيدًا على حيوية الدراسة وتمثيلها لحاضر اللغة المدروسة أداءً وتركيبًا وجدنا المحدثين يتحدثون عن المنهج السنكروني "Synchronic" في دراسة اللغة، وهو منهج- كما هو معروف- يدرس اللغة في واقعها المعيش، ويفرقون بينه وبين المنهج الدياكروني "Diachronic" الذي يُعنى بدراسة اللغة تاريخيًّا (130) .
وفي مجال اللغة العربية دفع إيمان الباحثين العرب باجتماعية اللغة إلى القول بضرورة رفدها بما يجدّ على ألسنة الناس من فصيح اللغة أو ما يمكن تفصيحه تلبيةً لمتطلبات العصر العلمية والحضارية، وكان دعوة غير عالم من علماء العربية المحدثين إلى جمعٍ جديدٍ للغة العربية في العصر الحديث يكون مصدره فئات المجتمعات العربية جميعها، ورأوا أن اللغة هي ملك متكلميها، وأن ليس هناك فرقٌ بين القدماء والمحدثين في هذه الملكية؛ فاللغة لمن آلت إليه، فهو يملكها، وله حق التصرف فيها (131) .