فهرس الكتاب
وبهذه الصورة العالمية للإسلام كان المسلمون يعيشون في ديارهم من إيران شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، متعاونين مع كل من عاش معهم من أصحاب الملل والنحَل ، وفى هذا المناخ الإسلامى الحضاري، كان يجتمع ذوو النحل المختلفة بمجالس علماء علم الكلام المسلمين، ويتحاورون في نحلهم وعقائدهم، ويتناظرون بحرية تامة ، من ذلك مجلس بالبصرة - والحياة الإسلامية في الأوج السياسي - وفى هذا المجلس يقول صاحب النجوم الزاهرة في الجزء الثانى ص29:"كان يجتمع فيه عشرة لا يعرف مثلهم: الخليل بن أحمد، صاحب علْم العروض وهو سُنى . والسيد الحميرى الشاعر وهو شيعى رافضى، وصالح بن عبد القدوس وهو ثنوى ( يؤمن بإلهين على دين مانى الإيرانى ) وسفيان بن مجاشع وهو صُفرى ( من الخوارج ) وبشار بن بُرد الشاعر وهو خليع ماجن ، وحماد عَجْرد وهو زنديق ، وابن رأس الجالوت الشاعر وهو يهودى، وابن نظير النصراني وهو متكلم ، وعمرو بن أخت الموبذ وهو مجوسى ، وابن سنان الحرَّانى الشاعر وهو صابئي . وهو مجلس كان لا يمكن أن يحدث مثله في أى أمة، لولا أن القرآن ألزم المسلمين بالتعايش في ديارهم مع كل أصحاب الملل والنحل ، وأنه لما خلق البشر، جعلهم بطبيعة تقضى باختلافهم فيما يعتقدون وينتحلون ، فعاملوا أصحاب النحل والملل معاملة حسنى ، وفتحوا لهم مجالسهم على هذا النحو، يتحاورون معا في المعتقدات والآراء محاورات حرة . وظل ذلك طويلا في مجالس علماء الكلام بالعصر العباسي . ففقيه مُحدِّث أندلسى يسمى أحمد بن محمد بن سعدى ، نزل بغداد في الربع الأخير من القرن الرابع الهجرى ، وعاد منها إلى القيروان ، فسأله فقيهها ابن أبى زيد المتوفى سنة 386 للهجرة: هل حضرتَ مجالس أهل الكلام ؟ فقال: حضرت مجلسين ، وأول مجلس حضرته جمع الفِرَق كلها: المسلمين من أهل السُّنة والبدعة والكفار من المجوس والدهرية والزنادقة، واليهود والنصارى وسائر أجناس الكفر . ولكل فرقة رئيس"