فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 4462

وبهذه الصورة العالمية للإسلام كان المسلمون يعيشون في ديارهم من إيران شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، متعاونين مع كل من عاش معهم من أصحاب الملل والنحَل ، وفى هذا المناخ الإسلامى الحضاري، كان يجتمع ذوو النحل المختلفة بمجالس علماء علم الكلام المسلمين، ويتحاورون في نحلهم وعقائدهم، ويتناظرون بحرية تامة ، من ذلك مجلس بالبصرة - والحياة الإسلامية في الأوج السياسي - وفى هذا المجلس يقول صاحب النجوم الزاهرة في الجزء الثانى ص29:"كان يجتمع فيه عشرة لا يعرف مثلهم: الخليل بن أحمد، صاحب علْم العروض وهو سُنى . والسيد الحميرى الشاعر وهو شيعى رافضى، وصالح بن عبد القدوس وهو ثنوى ( يؤمن بإلهين على دين مانى الإيرانى ) وسفيان بن مجاشع وهو صُفرى ( من الخوارج ) وبشار بن بُرد الشاعر وهو خليع ماجن ، وحماد عَجْرد وهو زنديق ، وابن رأس الجالوت الشاعر وهو يهودى، وابن نظير النصراني وهو متكلم ، وعمرو بن أخت الموبذ وهو مجوسى ، وابن سنان الحرَّانى الشاعر وهو صابئي . وهو مجلس كان لا يمكن أن يحدث مثله في أى أمة، لولا أن القرآن ألزم المسلمين بالتعايش في ديارهم مع كل أصحاب الملل والنحل ، وأنه لما خلق البشر، جعلهم بطبيعة تقضى باختلافهم فيما يعتقدون وينتحلون ، فعاملوا أصحاب النحل والملل معاملة حسنى ، وفتحوا لهم مجالسهم على هذا النحو، يتحاورون معا في المعتقدات والآراء محاورات حرة . وظل ذلك طويلا في مجالس علماء الكلام بالعصر العباسي . ففقيه مُحدِّث أندلسى يسمى أحمد بن محمد بن سعدى ، نزل بغداد في الربع الأخير من القرن الرابع الهجرى ، وعاد منها إلى القيروان ، فسأله فقيهها ابن أبى زيد المتوفى سنة 386 للهجرة: هل حضرتَ مجالس أهل الكلام ؟ فقال: حضرت مجلسين ، وأول مجلس حضرته جمع الفِرَق كلها: المسلمين من أهل السُّنة والبدعة والكفار من المجوس والدهرية والزنادقة، واليهود والنصارى وسائر أجناس الكفر . ولكل فرقة رئيس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت