فهرس الكتاب

الصفحة 3926 من 4462

والتاريخ هو علم العلوم، فلابد لكل علم من تاريخ، ومن دون هذا التاريخ لا تقوم للعلم قائمة، وإنما تظل موضوعاته وجزئياته متفرقة متناثرة، ولا يمكن للمؤرخ أن يصل إلى التفوق في كتابته للتاريخ إلا بأن يتعلم حقائق ما يؤرخ له، وبأن يرتقي بتعلمه إلى درجة العلم، ولعل هذا هو السر فيما نراه في اللغات المختلفة من تكرار التعبير الوصفي القائل بأن هذا أو ذاك عالم بالتاريخ، ولا أظن العلم بالتاريخ يكتمل من دون الإلمام بالطب، ذلك أن دراسة النفس البشرية والطبيعة الحية كفيلتان بأن تفكَّا للمؤرخ كثيرًا من مغاليق الأحداث، ومواضع الاختلاف، ذلك أن التاريخ الحق يستلزم ارتياد المجهول وتحقيق المأثور على حد سواء، كما يتطلب تهذيب العشوائيات وتفنيد الشائعات وضبط الروايات وعقد الموازنات، وهو بعد هذا بحاجة إلى الإصابة في الاستدلال، والبراعة في التأويل، والتجرد في إهمال العقل، وتحكيم المنطق، ولست أبالغ إذا قلت إن على مَنْ يريد أن يكتب التاريخ أن يقرأ في غير التاريخ، ذلك أن مصادر التاريخ تتعدد بتعدد المخلوقات والموجودات، كما أنها تتجدد مع كل مهارة قادرة على استخلاص الحقيقة أو استنباطها، ومع هذا فإن أسلافنا من العرب القدامى اكتشفوا أبدع الأوعية التاريخية في الفنون والآداب، وقد هدتهم سليقتهم إلى الاحتفاظ بتاريخهم من خلال الشعر الذي هو ديوان العرب، وقد تنبه المعجمي الخالد محمد محمود الصياد إلى أن الحقائق الجغرافية لم تتردد في شعر كما ترددت في شعر الجاهليين، والمعلقات السبع حافلة بالأعلام الجغرافية وصور البيئة.

ولعلكم تدركون أكثر مني فضل فنون الحضارة المصرية القديمة على معرفتنا بتاريخ هذه الحقيقة السحيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت