فهرس الكتاب

الصفحة 3927 من 4462

والحق أن المؤرخين لا يكفون عن توسيع وتنويع وتطوير وتحديث الأدوات التي يعولون عليها في كتابة التاريخ وهم يعتمدون بحصافة ومهارة على المأثورات والحكايات الشعبية والأعمال الفنية والآثار والمذكرات واليوميات والمخطوطات والوثائق والمراسلات والعملات والكتب، وهم يوظفون ما يوظفه القانونيون من الأدلة والقرائن، وما يوظفه الأطباء من فحوص وتحليلات، وما يوظفه المهندسون من قياسات ومنظورات، وما يوظفه العلماء من حسابات وتجربة، وما يوظفه الفقهاء من منقول ومعقول، وما يوظفه الفنانون من اتباع وابتداع، وما يوظفه الفلاسفة من مقولات ومقدمات وقياس، وما يوظفه الاقتصاديون من ضوابط وشرائط، وما يوظفه المحاسبون من التقري والتقصي، والمؤرخ بعد هذا كله ليس إلا فنانًا يتمثل الواقع العريض بنظرة رحبة لكنها فردية في المقام الأول، وذاتية في المقام الأخير.

على أن المؤرخ مع هذا مطالب بأن يبحث في العلم عن الحقيقة، وهو مطالب بأن يكون له نصيب كبير من الفلسفة من دون أن يعلن عن هذا، كما أنه مطالب بأن يكون مؤمنًا إلى درجة اليقين مع أنه يكاد يكتشف في كل واقعة أن اليقين الوحيد هو أنه لا يقين .. لكنه مع هذا لابد أن يصل إلى الحق في حدود المعرفة، وهو ملوم إذا تجاهل الحق الظاهر، أو تكاسل عن الحق الذي تحجبه الغيوم الزائلة أو الضلالات الحائلة.

ومع أن التاريخ أكبر من أن يكون ذا غرض؛ فإنه يهدينا كثيرًا من النعم والسحاب، فهو يساعدنا على استخلاص العبر، وعلى حفظ الجنس، وبقاء النوع، وعلى تأصيل العقيدة، وعلى تنمية الشعور بالوطن، وعلى المثل الخلقية، كما أنه يكفل لنا تنمية المهارات القمينة بتطوير وسائل الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت