فهرس الكتاب
وإني لأحلم بأن نجد عن قريب سبيلًا تشريعيًّا يمكننا من أن يكون ربع الأعضاء غير المصريين [على الأقل] مشاركين في نشاط مجلس المجمع على مدار العام وليس في المؤتمر فحسب، كما أني أحسب مهمة المجمع من الجلال بحيث تجعل من حق الأعضاء العرب أن يتمتعوا بالجنسية المصرية أو بكامل حقوقها الخضراء بمجرد حصولهم على هذه العضوية، كما أرجو أن نجد في القاهرة المناخ الذي شهدته عواصم الفكر على مدى التاريخ حين تستقطب العاصمة المجمعيين الشيوخ للإقامة فيها كي يثروا عمل المجمع على نحو ما كان شيوخ العلوم والفنون ينتقلون إلى عواصم الخلافة متى أصبحت لهم المكانة الأولى في تخصصاتهم في أزمنتهم، وفي هذا الصدد يجدر بي أن أذكر لحضراتكم أن ثلاثين في المئة من الأعضاء المصريين العشرة الأوائل كانوا من المتمصرين ولم يكونوا من المصريين بلغة اليوم، وقد أصبح أولهم شيخًا للإسلام بعد عشرين عامًا من عضويته في المجمع، وكان ثانيهم يهوديًّا تولى منصب الحاخام، وكان ثالثهم مسيحيًّا بلغ المئة من العمر بينما هو يمارس العمل المجمعي، بل إني لا أعدو الحقيقة إذا أشرت إلى أن سُدس زوجات المجمعيين الحاليين من السيدات الأوربيات الفاضلات.
أساتذتي الأجلاء:
بقي أن أحدثكم عن فهمي للغة، واللغة في رأيي هي الحضارة، هي أكبر بكثير من أن ننظر إليها على أنها وعاء الحضارة و جسدها أو روحها أو مستودعها أو أداتها أو ركنها أو مرآتها، وإنما هي الحضارة نفسها، فإذا أردنا الاحتياط أو البناء على الأقل كما يقول الفقهاء، فليس في وسعنا أقل من أن نقول إنها قلب الحضارة.
والحضارة من ناحية أخرى ليست إلا اللغة: مكتوبة ومنطوقة، مخطوطة ومطبوعة، مصوغة ومتحولة، متجسدة ومؤداة، مرسومة ومشفرة، مرموزة ومبرمجة، لكنها في كل هذه الصور لغة لتتحول كالطاقة من صورة إلى أخرى، وهي في هذا التحول لا تتبدد، وإنما تتجدد.