فهرس الكتاب
اللغة في رأيي هي ذاتنا بل ذواتنا، وهي أكبر بكثير من أن تكون شيئًا نملكه أو يملكه الأقدمون، كما أنها أعظم بكثير من أن تكون شيئًا يعطينا حقوق التصرف والانتفاع والحيازة، فاللغة أكبر بكثير من أن تخضع لتصوراتنا حول حقوقنا في هذه الممارسات، فأجسادنا تبلى وتفنى بينما اللغة باقية، وأرواحنا تصعد إلى بارئها بينما تبقى اللغة، وطوال حياتنا تتغير ملامحنا وتتجدد دماؤنا وتنضو أجسادنا جلودها ولكن اللغة تظل باقية، تنقطع بعض الأنساب وتختلط أنساب بأنساب وتبقى اللغة تصلنا بمن لم نرهم، وبمن يباعد بيننا وبينهم الزمان أو المكان. واللغة في كل هذا ليست جزءًا منا أو من شفراتنا الوراثية، وهي ليست موروثًا ينتقل عبر الأجيال، وإنما هي ذات موازية لها من البقاء والتجدد والاستمرار ما يفوق ما لذواتنا أجمعين، ولهذا فإنني لا أظن اللغة ملكًا لنا، وإنما هي التي تملكنا، ونحن قد نغتر فنظن أنفسنا نحافظ عليها أو نتحكم فيها بينما نحن بالكاد قد أدركنا أو أفدنا من بعض الظواهر دون أن ندرك حقائق هذه الظواهر، وليس أمرنا مع اللغة حتى الآن إلا كأمر أسلافنا الأوائل الذين هداهم الله إلى ركوب البحر فظنوا أنفسهم قد ملكوه، واللغة بحر محيط يمكننا من أن نصل ونتصل ونتواصل وننتقل وننقل ونُنقل ونراسل ونتراسل، وهو مع هذا يحتفظ لنفسه بقوانينه وبإرادته وثوراته التي هي من إرادة الله، ويترك لنا الفرصة لنكتشف بعض أسراره ولنطور ونحدث من وسائل تيسير وتشكيل مركباتنا فحسب، ومع هذا فإن فيما يتركه لنا مجال رحب لنا ولأجيال كثيرة من بعدنا.