فهرس الكتاب

الصفحة 3936 من 4462

لست أظن اللغة بعد هذا في حاجة إلى أن تتشبه بالشريعة، ولا هي في حاجة إلى أن نأصل لها حاجتها إلى الإجماع، ولا حاجتها إلى القياس، فاللغة تتسع للشريعة ولغير الشريعة، وللقانون ولغير القانون، وهي أعم بكثير من الشريعة ومن القانون، ومن التعسف أن نطبق على الأعم ما ينطبق على الأخص، كما أن وسائل اللغة تتعدى وسائل الشريعة، كما أنني لست أظن اللغة في حاجة إلى أن تقدم مشبهة ذلك التشبيه التقليدي المتكرر بأنها كائن حي، فالفصحى الخالدة كما نعرف أكبر من أن تكون كائنا حيًّا يتمتع بالحياة فحسب، لأنها هي الحياة نفسها، ولأنها صورة من صور الخلود الذي اختص به المولى عز في علاه بعض ما خلق.

ومن باب أولى فإن اللغة أعظم من أن تصور جسدًا أو بدنًا يتطلب الرعاية والعناية والعلاج والأطباء، إنما اللغة في حقيقة الأمر هي منبع العلاج، ومصدره.

كما أنني لست متقبلًا للفكرة التي تنسب إلى أهل اللغة أو علمائها بعض الفضل عليها حين يبدعون فيخلدون آثارًا تنقل عن لغاتهم، إنما الفضل للغة حين تعطينا الفرصة لإثبات ذواتنا حين نكتب بها فنجيد، أو نتكلم بها فنؤثر، أو نتدارس منطقها فنرتقي في مدارج الرأي والفكر، أو نحذو حذوها فيمنحنا الخلود بعض أسراره.

ويبدو لي أني أستمع الآن إلى صوت التاريخ وهو يعلن أن اللغة العربية التي آل إليكم أمرها قد أوشكت على الدخول في عصر جديد يهيئ لأهلها وللبشرية جميعًا استجلاء بعض كنوزها وتوظيف هذه الكنوز، والفضل في هذا لعصر جديد نعيشه هو عصر المعلومات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت