فهرس الكتاب
يقول المشتغلون بتاريخ الأفكار إن هذه المصادر عدة، فيها الأدب، وفيها الفلسفة، وفيها الدين وشعائره وما يحيط به في أوساط العامة من معتقدات . ويفيد مؤرخ الفكر من بحوث المؤرخ الاجتماعي الذى يدرس أسلوب حياة الناس ومعتقداتهم . وهو يتعرف على الأفراد في عصر من العصور من خلال هَذه المصادر جميعها . فيعمد مثلًا إلى قراءة"حكايات كانتربرى"لشوسر، وهو يدرس أفكار العصر الوسيط الأوروبي ، كما يقرأ ما كتبه فلاسفة ذلك العصر . وواجبه دومًا أن يجمع في صورة كاملة آراء الناس وأفعالهم المحسوسة ، وهذا هو حاله أن يعنى عناية خاصة بفلسفة التاريخ ليقدم إجابات عن الأسئلة الدائمة المتعلقة بالمُشكلات الكبرى .
يحرص مؤرخ الفكر على تصنيف جميع ضروب الأفكار التي تتضافر في تأليف ما يعرف بالمعرفة ، على حد قول برنتون . وعليه أن يقوم بمهمة البت في أي أنواع المعرفة صادق ، وهو يميز بين المعرفة التراكمية التي نجدها في العلوم الطبيعية والمعرفة اللاتراكمية التي نجدها في الأدب ، وهذا التمييز لا يعني مجال أن ما يصطلح عليه بالعلم في الغرب جيد نافع وأن الأدب والفن والفلسفة رديئة وغير نافعة . ويقع على عاتق مؤرخ الفكر أن يدرس آثار هذين النوعين من المعرفة على السلوك البشري ، وأن يتقصى العلاقة بينهما .
إن مؤرخ الفكر في عصرنا مدعو أمام القدر الكبير من الكتب أن يختار . فكيف يختار ويميز المهم من غير المهم ، وما يوصف بأنه"حي"متجنبًا ما يوصف بأنه"ميت"."والحي"قد يعني ما تعتقد الغالبية العظمى من الناس صدقه ، على حد قول برنتون ، ويواجه مؤرخ الفكر مسألة وجود معرفة قياسية للقيم ، وإذا كان العلم ضمن المعرفة التراكمية يستطيع أن يبين لنا في كثير من الحالات المحسوسة ما هو حق وما هو باطل ، وما هو عملي وما ليس بعملي ، فإننا في إطار المعرفة اللاتراكمية نجد أنفسنا بحاجة إلى مرجعية نحدد في ضوئها ما هو طيب وما خبيث .