فهرس الكتاب

الصفحة 3946 من 4462

فالحياة لا تتوقف ولا تتدهور، كما نتوهم كثيرًا من فرط غيرتنا وحماسنا، ولكنها ترقى وتتقدم، وإن لم يكن ذلك في خط مستقيم غالبًا، بل عبر ثنيات وتعرجات ماكرة، وما كان يعتبره أسلافنا من بعد نهاية عصر الاحتجاج في نهاية القرن الثاني للهجرة وبعد موت ابن هرمة مظهرًا للضعف في اللغة والشعر والأدب أصبح فيما بعد يمثل عصور ازدهار عبقرية العربية وشموخ كبار أدبائها القدماء والمحدثين.

... وأعتقد أن المستقبل يحمل لهذه الأمة، عكس ما نستشعره اليوم، بشائر نهضة علمية وفكرية شاملة يتعين على اللغة أن تتأهب للقيام بها.

أساتذتي الأفاضل:

... اسمحوا لي وفاء لتقاليد المجمع أن أتحدث فيما بقي لي من دقائق عن العلم الكبير الذي يشرفني أن أحتل مقعده اليوم، وهو أستاذنا الدكتور بدوي طبانة، وأرجو أن تأذنوا لي بشيء من النبرة الشخصية في الحديث عنه، فأنا لا أستطيع أن أكون محايدًا في تعبيري عن ديْني وتقديري لمن جلست منهم مجلس المتعلم، وقد فتح لي الدكتور طبانة مع زملائي في دار العلوم نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات مغاليق البلاغة التي كنا ندرسها طلاسم محفوظة، ومحنطة في المرحلة الثانوية الأزهرية، جعلنا نعايش عبد القاهر الجرجاني وأبا هلال العسكري وقدامة ابن جعفر بقدر من الحميمية والحب، كما جعلنا إبراهيم أنيس نعشق ابن جني وعلماء اللغة، ووضعنا أحمد هيكل في قلب تجربة الشعر الأندلسي وتاريخه، وكمال بشر وتمام حسان في صلب علوم اللغة المحدثة، وغنيمي هلال في عين النقد الحديث، كان جيلي محظوظًا بتلمذته المباشرة على هؤلاء، وغير المباشرة على أقطاب الفكر الأدبي واللغوي في مصر والوطن العربي.

... ولا أستطيع أن أنسى أن أكثر ما كان يبهرني في محاضرات بدوي طبانة هو فصاحته الطليقة، وبلاغته خلال حديثه في علوم البلاغة بلغة عربية رائقة، لا يتسرب إليها لحن ولا تشوبها أية عجمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت