فهرس الكتاب
أما من الجانب الآخر فإن الظروف والتحديات الدولية تحتم علينا الآن أن نعطي أهمية أكبر لقضية التعريب بمفهومها الواسع؛ لأن قضية التعريب في أزمة، وغايات التعريب في أزمة أشد من أزمة التعريب ذاتها، فلكل عصر لغته العلمية المشتركة، لابد أن نكون واقعيين علميين، نواكب التقدم ونأخذ بمصادر العلم والقوة والرقي.
إن اللغة العربية هي العنصر الأول الذي يطبع هُويتنا ويحددها وقد نعتها بعض العلماء بالسلاح، وأدرجها ضمن الأسلحة التي يجب أن يتحصن بها المؤمن، والتي تدخل في الآية الكريمة"وَدَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ..." (سورة النساء، آية 102) . وهكذا فإن المحافظة على اللغة العربية تظل الهدف الأساسي لمجمعنا.
والقرآن الكريم أيها السادة هو النموذج الأسمى للعربية، وهو النموذج الأعلى للبيان المعجز أيضًا، وسيظل القبلة الخالدة في استلهام أنصع الأساليب لنظم الكلام. فمادام القرآن محفوظًا والإسلام قائمًا، فلن يكتب لهذه اللغة الفناء. وكيف لا يبقى محفوظًا وقد تكفل الله تعالى بحفظه"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" ( سورة الحجر، آية 9) .
لقد كانت اللغة العربية دائمًا قادرة على مسايرة التقدم الحضاري، معبرة عنه بما لها من خصائص المرونة والطواعية، وبما أوتيت من غزارة وسعة، وبما لها من تراث أصيل عميق بعيد الأثر في مراحل التاريخ وكانت أيضًا، وما زالت ولسنوات طويلة، لغة التعليم والتعلم والعلم.
ولكن مع نهاية القرن العشرين بدأت تظهر للأسف الشديد جفوة ملحوظة بين اللغة العربية الفصحى وبين المتعاملين بها من المصريين والعرب، فحلت محلها اللغة العربية العامية الدارجة في كثير من التعاملات وظهر التغريب واضحًا في الشارع والإعلام العربي، وبدأنا نتذكر ما قاله حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية:
وَسِعْتُ كتابَ اللهِ لفظًا وغايةً
وما ضِقْتُ عن آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ
فكيفَ أضيقُ اليومَ عن وَصْفِ آلةٍ