فهرس الكتاب
إن الأفكار هي التي جعلت قيام العُمران والحضارات ممكنًا . وكم من فكرة فعلت فعلها في الاجتماع الإنساني . ومثلٌ على ذلك فكرة تقسيم العمل . ومن الأفكار ما يكون مصدر إلهام وتأثير مثل فكرة الترقي بواسطة الاصطفاء الطبيعي عند داروين التي فعلت فعلها في حياة الغرب خلال القرن التاسع عشر . وللأفكار قوتها التي قد يصعب تقديرها ، ولكنها تمثل مصدرًا ثمينًا للقوة ، وهي من ناحية اقتصادية أكثر أهمية من المواد الخام والمعامل الصناعية وقوة العمل . والعجز عن الفعل كثيرًا ما يرجع إلى الافتقار لا إلى القوة العضلية والمال . والأفكار القوية تحدث تغييرًا جذريًا . والتعليم هو إعادة إنتاج جماعي وتوزيع للأفكار التي تثبت جدارتها . ومن هنا تأتي أهمية العناية بالتنمية المنهجية للأفكار في علم تاريخ الأفكار وعلم دراسة المستقبل على السواء.
مصطلح الفكر في حضارتنا:
آن لنا - بعد أن تعرفنا على الإسهام الغربي في بلورة علم تاريخ الأفكار - أن نتأمل في دلالة مصطلح الفكر في لساننا العربي ، توطئة للتعرف على الأفكار في حضارتنا .
الفكر بالكسر والفتح هو"إعمال الخاطر في الشىء"عند صاحب لسان العرب . وهو"إعمال النظر في الشىء"عند صاحب المحيط . وجمعه أفكار . وسيبويه يرى أنه لا يجمع . والفكرة عند الأصبهانى صاحب"المفردات في غريب القرآن""قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم". والتفكير هو"جولان تلك القوة بحسب نظر العقل"، وذلك للإنسان دون الحيوان . ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب . ولهذا رُوي"تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله". إذ أن الله مُنَزَّهٌ عن أن يوصف بصورة. وقد ورد لفظ"التفكر"في عدة آيات قرآنية. والتفكر عند الجوهري هو"التأمل". والاسم هو الفكر والفكرة .