فهرس الكتاب
ومما حاوله اللغويون العرب القدامى ولم يصلوا فيه إلى الغاية التي كانوا يتمنونها البحث عن تطور استخدام المفردات، وهو المعروف في العصر الحديث بالمعجم التاريخي، الذي يتناول تطور الألفاظ العربية عبر العصور، ومدى ما تمثلته من دلالات ومعانٍ جديدة، وما دخل عليها من تغيرات في الاستعمال.
... لقد أجهد علماء العربية القدامى أنفسهم في جمع الألفاظ العربية وترتيبها وتحديد معانيها، ونجحوا كذلك في حصرها وكان إمامهم الأول في هذا الجهد الخليل بن أحمد الذي جعله تواضعه يقول بأنه لا يحصر اللغة العربية إلاَّ نبي، وكان عمله الفذ بداية القواميس والمعاجم الموسوعية كالقاموس المحيط، ولسان العرب، وتاج العروس، وهي الأشهر والأوسع في التداول. وفي العصر الحديث"حققت معاجم مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومعاجم مكتب تنسيق التعريب في المغرب، والمعاجم التي ألفها اللبنانيون المحدثون، حققت كثيرًا من الأماني" (1) .
... ولعل عناية فقهاء اللغة بالمجاز قد أغناهم عن تتبع التطور الذي لحق بمدلولات الألفاظ، وأن هذا التطور - من وجهة نظرهم - ما هو إلاَّ ضرب
من المجاز وليس تطورًا في المعاني تقتضيه طبيعة الحياة، كما أن المحافظ على ألفاظ القرآن الكريم بدلالاتها الثانية قد صرف العلماء عن إيجاد مثل هذا المعجم التاريخي اعتقادًا منهم أن الاعتراف بتطور هذه الدلالات يباعد بين القرآن ومعانيه الثابتة، وهو تصور خاطئ أثبتت القرون المتلاحقة خطأه، ومن هنا فقد تم التركيز على المجاز الذي يجعل المفردة تمتلك درجة من التجدد والغموض الذي يستعصي على التفسير أحيانًا، وكان ذلك الحل واضحًا منذ الخطوة الأولى في تأسيس المعجم الأول. و"إن قراءة متأنية للمعجم الخليلي تبين علاقات الأخذ والتحوير والاستقراض التي تقدم في هذا الطور من حياة اللغة. فما نسميه اليوم"المفهوم"قد لا يكون في هذا الطورسوى"استعارة"وحسب لمعنى اعتباري" (2) .