فهرس الكتاب
... أول مدرسة فرنسية في بسكرة نشأت سنة 1855م، أي بعد أن قطع ابن سديرة مرحلة متقدمة في حفظ القرآن، إن لم يكن قد أكمله. لكن هذه المدرسة لم تكن سوى مكان مفتوح لدروس وتمارين في الهواء الطلق حسبما ذكر ابن سديرة نفسه. فمن أشار إليه بهذه المدرسة المفتوحة؟ هناك أمران نعرفهما من دراستنا للتعليم الفرنسي الموجه للأطفال الجزائريين، فهذه المدرسة كانت خاصة للجزائريين وليست للجميع، ويخبرنا الفرنسيون أنفسهم بأنهم كانوا"يزرعون"المدرسة وسط تجمع من الأهالي فمن جاءهم درسوا له مبادئ بسيطة تدخله في"الأسرة الفرنسية"ومن ابتعد عنهم لا يسألون عنه.
... ويبدو أن معلمي ابن سديرة الفرنسيين قد اكتشفوا ذكاءه الفطري وميوله فركزوا عليه إلى أن جعلوا منه
رجلًا يستجيب لحاجتهم. وقد نوه ابن سديرة نفسه بمعلمه الأول في بسكرة، وهو كولومبو Colombo الذي يسيمه"معلمي المحترم"ويذكر أن الذي أشار ببناء مدرسة في بسكرة قرب سوق البلدة هو الجنرال ديفو Devaux الذي كان قائدًا عسكريًّا للناحية والذي كان يتقن اللغة العربية، ويزور المدرسة بعد بنائها ويتعرف على تلاميذها ومدى تقدمهم ليختار منهم النوابغ، وكان هدف الجنرال (ديفو) إدخال الأهالي في الثقافة الفرنسية. ولا شك أنه كان يعرف حالة ابن سديرة الاجتماعية وقد ذكر هذا أن الجنرال، وقد لقيه سنة 1860م في بسكرة وشجعه على تعلم اللغة الفرنسية (1) ومن ذكرياته عن مدرسته الأولى في بسكرة أنها افتتحت في الهواء الطلق كما قلنا، وأن معلمه الفرنسي كان يلتقي بالأطفال تحت ظل النخيل في بستان محمد الصغير بن قانة (شيخ العرب) ، ليتعلموا مبادئ اللغة الفرنسية (2) .